من عظماء الإسلام

سلسلة الدروس الثقافية


 

المقدمة
الفصل الأول : الأركان الأربعة

الدرس الأول : أبو ذر الغفاري وشجاعة الموقف
الدرس الثاني : سلمان الفارسي على لسان النبي (ص)
الدرس الثالث : المقداد بن الأسود وميادين الجهاد
الدرس الرابع : عمّار بن ياسر في سماء الشهادة
الفصل الثاني : السفراء الأربعة
الدرس الخامس : السفير الأول عثمان بن سعيد العمري
الدرس السادس : السفير الثاني محمد بن عثمان العمري
الدرس السابع : السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي
الدرس الثامن : السفير الرابع علي بن محمد السمري
الفصل الثالت : أعلام أربعة
الدرس التاسع : الإمام الخمين (قده) وعلاقته بآل البيت (ع)
الدرس العاشر : العلامة الطباطبائي (قده) والتواضع الدائم
الدرس الحادي عشر : الشهيد مطهري (قده) وعشق العبادة
الدرس الثاني عشر : الشهيد الصدر (قده) ومعالم مدرسته





المقدمة

  بسم الله الرحمن الرحيم‏
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين‏
 

وبعد،
 

بين يديك أخي الكريم، الكتاب الرابع من السلسلة الفصلية للدروس الثقافية ( من عظماء الإسلام ) وهو عبارة عن سيرة الأركان الأربعة من الصحابة الأجلاّء والسفراء الأربعة للإمام صاحب الزمان رحمهم الله وأربعة من جهابذة الإسلام المحلّقين في علياء العلم والمعرفة والعبادة والشهادة مع تسليط الضوء على جوانب مشرقة في حياتهم المباركة وفي مطلع سجلهم الخالد خلود المعجزات الإمام الخميني المقدس (قده).

إضافة إلى ما رأيناه مناسباً من الدروس الفقهية معتمدين على كتاب ( أحكام الإسلام بين السائل والإمام ) المتضمن لاراء الإمام الخميني (قده).

فاللَّه تعالى نسأل وإليه نبتهل أن يوفّق الجميع لاختيار ما تدعو الحاجة إليه لدى المثقفين.


  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
 

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية 






 

الفصل الأول : الأركان الأربعة


الدرس الأول : أبوذر الغفاري وشجاعة الموقف

أ - من عظماء الإسلام:

حينما ندرس شخصية تأريخية كأبي ذر، تطالعنا مواقف ومشاهد في غاية السمو والرفعة الأخلاقية، فنجد أنفسنا أمام مدرسة مثالية غنية بالعطاء الفكري والعطاء الروحي، ومليئة بالعظات والعبر، ونلمس ذلك في السلوك العملي مع النفس والمحيط تجسيداً كاملاً للمبدأ الذي دعا إليه وكافح من أجله، وقضى حياته في خير خاتمة وهو يحمل الرسالة الخالدة بموقف شجاع وصرخة حق لا تزال مدوّية إلى أن تقوم الساعة وهو أول من نادى باتباع أمير المؤمنين علي  (ع)  والولاية له بعد الرسول الأكرم (ص) بكل ثبات مع باقي الأصحاب المخلصين ممن سمّوا بالأركان الأربعة.

وهو الممدوح مدحاً عظيماً على لسان النبي الأعظم(ص) حيث قال عنه :« ما أظلّت الخضراء، وأقلّت الغبراء من ذي لهجة أَصدق من أبي ذر، ومن سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر» (1).

وقد بايع أبو ذر رسول الله(ص) على أن لا تأخذه في الله لومة لائم وعلى أن يقول الحق ولو كان مراً [2) فالتزم ببيعته وكان جريئاً في جنب الله اخر عمره كما كان في أول أمره، عارفاً بحق أمير المؤمنين (ع)  بعد النبي(ص) وداعياً إلى الركوب في سفينته سفينة النجاة التي من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.

ب - أبو ذر يواجه معاوية:

إن صاحب الكلمة الجريئة التي لا تعرف المداهنة ولا الرياء والوجل لا يمكنه السكوت على المنكر ولا إمضاؤه بل يطلق نداءه صريحاً في مسمع الحاكم الظالم وذلك من أفضل الجهاد فها هو أبو ذر  (رض) يخاطب معاوية مجيباً إيّاه :« ما أنا بعدو للّه ولا لرسوله(ص)، بل أنت وأبوك عدوّان لله ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر ولقد لعنك رسول الله(ص) ودعا عليك مرّات أن لا تشبع ».

فقال معاوية: ما أنا ذلك الرجل.

فقال أبو ذر :« بل أنت ذلك الرجل! أخبرني بذلك رسول الله(ص) وسمعته يقول وقد مررت به:( اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب) » (3).

وتخيّل جلاوزة معاوية والجلاّدون في عسكره الغاشم أن أبا ذر كان غاضباً لنفسه لأجل حاجة مالية فساوموه رجاء أن يكف ويسكت فما وجدوا إلا الإصرار على قول الحق مهما كلّفه الأمر وبعث إليه معاوية بثلاثمائة دينار، فقال :« إن كانت في عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا، قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها» (4).

وقال له أحدهم ذات مرة :« لك عندي يا أبا ذر ألف درهم وخادم وخمسمائة شاة».

قال أبو ذر :« أعط خادمك وألفك، وشويهاتك من هو أحوج إلى ذلك مني! فإني إنما أسأل حقي في كتاب الله...» (5).

بهذه الصراحة يرسم لنا بعض مواقفه لا ليثأر ويغضب لنفسه بل للحق الذي طالب بتثبيته وبذلك جعل من نفسه رمزاً يدفع بالمقهورين والمظلومين إلى المطالبة بحقوقهم وعرض ظلاماتهم فكان في تصرفاته تلك رائداً من رواد الحق يجازف بنفسه من أجل الاخرين، وهكذا دأب الإنسان الرسالي فيما يميزه عن الإنسان العادي.

ج  أبو ذر ينشر التشيّع:

كافح  (رض) وجاهد جهاداً عظيماً في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا وإحقاق الحق وإبطال الباطل، فثبت على المبدأ الذي عاهَد عليه الرسول الأكرم (ص)، ودافع على أكثر من جبهة وفي عدة مواطن ودعا المسلمين بكل جرأة وصراحة حتى اخر لحظة من عمره، فكان في مكة والمدينة كما الشام وحتى منفاه الأخير في الربذة غير ابهٍ بأحد في سبيل تأدية الأمانة وإيضاح أن الخليفة الشرعي لرسول الله(ص) والولي الحقيقي هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)  وليس معاوية.

1 - في مكة المكرمة:

يقول أحد الرواة سمعت أبا ذر يقول وهو اخذ بباب الكعبة :« أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله(ص) يقول: ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» [6).

ومما حدّث به على شفير زمزم والناس قد اجتمعوا حوله قال (رض) :« سمعت النبي(ص) بهاتين وإلا فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول: علي قائد البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره، مخذول من خذله» (7).

2 - في المدينة المنورة:

جاء في تاريخ اليعقوبي: بلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مسجد رسول الله(ص) ويجتمع إليه الناس، ... وأنه وقف بباب المسجد فقال :« ... ومحمد وارث علم ادم وما فضّل به النبيون وعلي بن أبي طالب وصي محمد ووارث علمه، أيتها الأمة المتحيّرة أما لو قدّمتم من قدّم الله وأخّرتم من أخّر الله وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم...» (8).

د - أبو ذر في المنفى:

إن خلاصة ما تقدم أن موقف أبي ذر من مبدأ التشيع كان موقفاً مثالياً يجسّد لنا كل معاني الثبات والصمود، واليقظة في الضمير الإنساني، فما كان لتلين عريكته ولا لتميل له قناة، فقد كان صلباً قوياً، متفانياً في سبيل ذلك.

ولم ينجح الغرماء الحاكمون في إسكاته فعمدوا إلى نفيه فحمل من الشام إلى المدينة على مركب وعر ثم بعد ذلك إلى الربذة حتى توفي غريباً هناك.

فرضوان الله عليه حيث كتب على رمال الصحراء ملحمته الخالدة التي ستبقى تشرق في كل صباح مع الشمس ولكنها لا تغيب.

لقد استعرضنا في هذا الدرس جانباً واحداً من جوانب شخصية أبي ذر الغفاري (رض) ألا وهو شجاعته في الموقف والكلمة وأما علمه وزهده وعبادته وسائر الميّزات والفضائل التي يتمتع بها فهي محتاجة إلى صفحات طويلة.

من فقه الاسلام

س: في الظروف الحالية ما هو تكليفنا حول الأمر بالمعروف بالنسبة للأشخاص الذين لا نعرفهم ولا نعلم هل ذلك

مؤثر أم لا؟

ج: في فرض احتمال التأثير ووجود الشرائط الأخرى يكون واجباً.

س: ما هو حكم المعاشرة مع الأشخاص الذين يرتكبون حراماً مثل شرب الخمر؟

ج: انهوهم عن المنكر مع رعاية الشروط المقررة، وترك المعاشرة إحدى درجات النهي عن المنكر.

س: الرجاء بيان رأيكم كيف ينبغي أن تكون المعاملة وسائر العلاقات  من محادثة ومصافحة وصلة رحم، وأكل الطعام، والصلاة واعطاء وأخذ الهدايا  مع العائلات أو الأفراد الاتي وصفهم :« الأفراد المعادون لنظام الجمهورية الإسلامية، أو الذين لا يحافظون على الحجاب والمبادى‏ء الإسلامية  كلياً أو جزئياً  أو الذين يعتبر وضع تجارتهم وعملهم مشبوهاً أو محرماً أو مخلوطاً بالحرام والحلال؟».

ج: التردد إليهم والمحادثة معهم لا اشكال فيه، وخاصة إذا كان ذلك موجباً لهدايتهم، أما التصرف في أموالهم فإنما يجوز في صورة عدم العلم بوجود مال حرام في الموارد التي هي مورد التصرف.

خلاصة الدرس

أ - أبو ذر الغفاري من عظماء الصحابة ومن حواريي النبي(ص) وأمير المؤمنين (ع)  وهو صاحب مواقف مشهودة وكلمة شجاعة وهو أحد الأركان الأربعة والإسلام في مهده.

ب - واجه معاوية بكل صلابة وثبات حتى قال له أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر.

ج - باءت كل محاولات الإغراء بالمال والجاه بالفشل حينما أراد أعداء أمير المؤمنين(ع)  أن يوقفوا أبا ذر عن قول كلمته الحقة.

د - من فضائله أنه قام بنشر التشيع والحديث في فضل ال البيت (عيهم السلام).

و-كانت عزيمته أقوى من كل الصعاب التي واجهته في المنفى فأكمل طريقه الجهادي والتبليغي حتى اخر أنفاسه.

أسئلة حول الدرس

1 - تحدّث عن مكانة أبي ذر عند النبي (ص)؟

2-  بماذا تميّزت شخصيته؟

3 - كيف كانت مواقفه من معاوية؟

4 - كيف تعامل معاوية معه؟

5 - كيف ينظر أبو ذر إلى الخلافة؟

6 - ما هي المهمات التي قام بها؟

7 - لماذا نفي إلى الربذة؟

8 - كيف كانت وفاته؟

للحفظ

من أقوال أبي ذر الغفاري(رض) :« يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك أنت يوم تفارقهم كضيف بتّ فيهم ثم غدوت إلى غيرهم الدنيا والاخرة كمنزل تحوّلت منه إلى غيره، وما بين البعث والموت إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها» (9).

للمطالعة

وصية النبي (ص) لأبي ذر (رض)

مما جاء فيها: ... واعلم يا أبا ذر: أنّ الله جعل أهل بيتي كسفينة النجاة في قوم نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها غَرِق، ومثل باب حِطَّة في بني إسرائيل، من دخله كان امناً.

يا أبا ذر: احفظ ما أوصيك به، تكن سعيداً في الدنيا والاخرة.

يا أبا ذر: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ.

يا أبا ذر: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هَرَمِك، وصِحتك قبل سَقَمِك وغِنَاكَ قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.

يا أبا ذر: إيَّاك والتسويف بأمَلِك، فإنك بيومك، ولستَ بما بعده، فإن يكن غد لك، فكن في الغد كما كنت في اليوم، فإن لم يكن غد لك، لم تندم على ما فرَّطت في اليوم.

يا أبا ذر: كم من مستقبل يوماً لا يستكمله، ومنتظر غداً لا يبلغه.

يا أبا ذر: لو نظرت إلى الأجل ومسيره، لأبغضت الأمل وغروره.

يا أبا ذر: كن في الدنيا كأنك غريب، أو كعابر سبيل، وعُدّ نفسك في أهل القبور.

يا أبا ذر: إذا أصبحت، فلا تحدِّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدِّث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قَبلَ سَقَمِك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غداً.

يا أبا ذر: إيَّاك أن تدركك الصرعة عند الغِرّة، فلا تُمَكَّن من الرجعة، ولا يَحمَدُك من خلَّفت بما تركتَ، ولا يَعذرك من تُقدِمُ عليه بما به اشتغلتَ.

يا أبا ذر: ما رأيتُ كالنار نام هاربُها، ولا كالجنة نام طالُبها.

يا أبا ذر: كن على عمرك أشحَّ منك على درهمك ودينارك.

يا أبا ذر: هل ينتظر أحدكم إلا غِنى مطغياً، أو فقراً منسياً، أو مرضاً مزمناً أو هرماً مفنياً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجَّال فإنه شر غائب ينتظر، أو الساعة، والساعة أدهى وأمرّ.

يا أبا ذر: إن شرَّ الناس عند الله عز وجل يوم القيامة، عالم لا ينتفع بعلمه، ومن طلب علماً ليصرِف به وجوه الناس إليه لم يجد ريح الجنة.

يا أبا ذر: من ابتغى العلم ليخدع به الناس، لم يجد ريح الجنة.

يا أبا ذر: إذا سئلت عن علم لا تعلمه، فقل: لا أعلمه، تنجُ من تبعته، ولا تفت الناس بما لا علم لك به، تنج من عذاب يوم القيامة.

يا أبا ذر: يتطلَّع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار، فيقولون: ما أدخلكم النار؟ وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم! فيقولون: إنا كنا نأمر بالمعروف ولا نفعله..

يا أبا ذر: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله عز وجل أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أمسوا تائبين وأصبحوا تائبين.

يا أبا ذر: إنكم في ممرِّ الليل والنهار في اجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن يزرع خيراً يوشك أن يحصُد زرعه، ومن يزرع شراً، يوشك أن يحصدَ ندامة، ولكل زارع ما زرع (10).






 

الدرس الثاني : سلمان الفارسي على لسان النبي (ص)

أ - من عظماء الإسلام:

حينما نقرأ سيرة سلمان  (رض) نجد أنفسنا أمام إنسان وقف كل حياته لله تعالى، فريداً من نوعه، وفي عمق إدراكه، في كل المراحل التي قضاها بين العبادة والعلم والزهد وإذا قال بعضهم عنه :« أنه كان أمة في جانب والناس في جانب تحفّ حياته الشريفة الغرائب والعجائب» فهو ليس مغالياً أبداً ويكفيك ما سطّره التاريخ المشرق فيه ممن كتب عنه موافقاً منحاه أو تشرّف بنقل سيرته العطرة وخالفه في الوجهة التي كان عليه وبذلك خالف الحق لأن سلمان كان معه أي أنه كان مع علي وعلي مع الحق يدور معه كيفما دار، وهو أحد الأركان الأربعة المخلصين في المحبة لأمير المؤمنين (ع)  والمسلّمين له والثابتين على ولايته والعاملين إلى اخر لحظات أعمارهم المباركة لذلك، والشخصية التي تحظى بمكانة عالية عند رسول الله(ص) وأهل بيته (عليهم السلام)كما جاء في أحاديثهم الشريفة  ليس المأمول منها إلا ما كان في التفاني والإيثار والتضحية والعزوف عن الدنيا والرغبة في لقاء الخالق عز وجل.

ولو لم يكن ورد في حق سلمان سوى هذا الحديث المتواتر :« سلمان منّا أهل البيت» (11) لكفى في بيان درجته الرفيعة ومكانته السامية وهل هناك أعظم وأهم من الانضمام إلى الرسول الأعظم(ص) وأهل بيته الأكرمين (ع) ؟!

ب - ثلاث خصال:

ينقل أحد الرواة أنه سأل مولانا الصادق (ع)  قائلاً: ما أكثر ما أسمع منك  سيدي  ذكر سلمان الفارسي؟

قال (ع)  :« لا تقل سلمان الفارسي ولكن قل سلمان المحمدي، أتدري ما أكثر ذكري له»؟ قلت: لا.

قال (ع)  :« لثلاث خصال: إيثاره هوى أمير المؤمنين (ع)  على نفسه، والثانية: حبه للفقراء واختياره إياهم على أهل الثروة والعدد، والثالثة: حبه للعلم والعلماء» (12).

ومما لا شك فيه أن هذه الخصال لو اجتمعت في شخص منّا لأحبّه أهل البيت (عليهم السلام)  ونال رضاهم.

ج - علم سلمان:

إذا أردنا أن نتعرف على سلمان العالم تعال نسأل أمير المؤمنين (ع)  ليجيبنا قائلاً :« امرؤ منا وإلينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم، على العلم الأول والعلم الاخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الاخر وكان بحراً لا ينزف» (13).

ويجيب (ع)  ابن نباته حينما يسأله عنه :« ما أقول في رجل خلق من طينتنا وروحه مقرونة بروحنا، خصّه الله تبارك وتعالى من العلوم بأولها واخرها وظاهرها وباطنها وسرها وعلانيتها ولقد حضرت رسول الله(ص) وسلمان بين يديه فدخل أعرابي فنحاه عن مكانه وجلس فيه فغضب رسول الله(ص) حتى درّ العرق بين عينيه واحمرت عيناه ثم قال: يا أعرابي أتنحي رجلاً يحبه الله تبارك وتعالى في السماء ويحبه رسوله في الأرض! يا أعرابي أتنحي رجلاً ما حضرني جبرئيل إلا أمرني عن ربي عز وجل أن أقرئه السلام! يا أعرابي إن سلمان مني من جفاه فقد جفاني ومن اذاه فقد اذاني ومن باعده فقد باعدني ومن قرّبه فقد قرّبني، يا أعرابي لا تغلطن في سلمان، فإن الله تبارك وتعالى قد أمرني أن أطلعه على علم المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب. فقال الأعرابي: يا رسول الله ما ظننت أن يبلغ من فضل سلمان ما ذكرت أليس كان مجوسياً ثم أسلم؟

فقال النبي :« يا أعرابي أخاطبك عن ربي وتقاولني؟!... (14).

د - نسب سلمان:

في الحديث عن الباقر (ع)  :« جلس جماعة من أصحاب رسول الله(ص) ينتسبون ويفتخرون وفيهم سلمان رحمه الله، فقال له عمر: ما نسبتك أنت يا سلمان وما أصلك؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالاً فهداني الله بمحمد وكنت عائلاً فأغناني الله بمحمد وكنت مملوكاً فأعتقني الله بمحمد فهذا حسبي ونسبي يا عمر».

ثم خرج رسول الله(ص) فذكر سلمان ما قال عمر وما أجابه به.

فقال رسول الله (ص) :« يا معشر قريش، إن حسب المرء دينه، ومروته خلقه وأصله عقله قال الله تعالى :« يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»» (15).

ثم أقبل على سلمان فقال له :« سلمان إنه ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه» (16).

ه - سلمان في المرابطة:

كما حظي جبل عامل بإقامة أبي ذر فترة من الزمن فيه داعياً إلى التمسك بالولاية فقد حظيت بيروت وتشرّفت بزيارة سلمان لها.

يقول القاسم بن عبد الرحمن: زارنا سلمان الفارسي، فخرج الناس يتلقونه كما يتلقى الخليفة، فلقيناه وهو يمشي فوقفنا نسلم عليه ولم يبق شريف إلا سأله أن ينزل عنده، فسأل عن أبي الدرداء فقيل هو مرابط.

فقال: وأين مرابطكم؟

قالوا: بيروت.

فتوجه قبله، فلما صار إلى بيروت واجتمع بمن فيها قال سلمان :« يا أهل بيروت ألا أحدثكم حديثاً يذهب عنكم غرض (17) الرباط سمعت رسول الله(ص) يقول: رباط يوم كصيام شهر وقيامه ومن مات مرابطاً في سبيل الله أجير من فتنة القبر، وأجرى له ما كان يعمل إلى يوم القيامة » (18).

و - سلمان زاهد متواضع:

دخل قوم على سلمان وهو يعمل الخوص، وكان يومها أميراً على المدائن (19) فقيل له: تعمل هذا وأنت أمير يجري عليك رزق؟!

قال :« إني أحب أن اكل من عمل يدي وذكر أنه تعلم عمل الخوص بالمدينة من الأنصار عند بعض مواليه» (20).

وكان عطاء سلمان خمسة الاف وإذا خرج عطاؤه تصدق به (21).

رحم الله سلمان فقد كان ولا يزال اية في العلم والزهد والعبادة والثبات على الولاية يزين صفحات التدوين في سجل الخالدين.

من فقه الاسلام

س: شخص يتعاطى المشروبات الكحولية، ويقوم بأعمال منافية للعفة، ويوهن المراجع العظام، من جهة الوظيفة الشرعية فلقد تم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن مع الأسف لم يؤثر، الرجاء بيان حكم اللَّه لجهة المعاشرة والطهارة والنجاسة والحد الشرعي؟

ج: إذا كان ترك المعاشرة موجباً لترك المشار إليه لتلك الأعمال فيجب اجتناب المعاشرة وما لم يثبت ارتداده فهو محكوم بحكم سائر المسلمين.

س: في هذه الأيام وحيث المسلمون في بلدانهم المختلفة مشغولون بالجهاد ضد الطاغوت والكفر العالمي، لو شوهدت نقاط ضعف عند بعض الأفراد إلا أنهم لم يقفوا في مواجهة المجاهدين والثوريين، فهل يجوز مجاهدة هؤلاء بسبب نقاط الضعف تلك أم أنه يجب غض النظر عن نقاط الضعف تلك لأجل حفظ الوحدة؟ وأصلاً ما هي الضابطة الكلية التي يمكن أن تكون ملاكاً لترجيح الوحدة على خط الجهاد أو العكس؟

ج: إذا كانوا لا يضعفون الثورة الإسلامية ولا يتامرون على الجمهورية الإسلامية فهم في أمان ويجب أن لا يجاهدوا.

س: بالنسبة للروحانيين المزيفين والذين يدعمون علناً أميركا أو الدول العميلة لها ودول الكفر الأخرى من خلال كلامهم وتوجيههم، فهل يجوز مجاهدة هكذا أشخاص وانتقاد خطهم السياسي في المحافل والمجالس وذلك لفضحهم وكشف زيفهم أمام عوام الناس؟

ج: الموارد مختلفة ويمكن إخبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية عن الأشخاص المذكورين لكي يقوم المسؤولون بواجبهم تجاه ذلك.

خلاصة الدرس

أ - سلمان الفارسي من المقرّبين للنبي(ص) حتى قال فيه :« سلمان منّا أهل البيت» وكان يودعه بعض أسراره وهو من المخلصين لأمير المؤمنين (ع) .

ب - من فضائله: الثبات على مودة أمير المؤمنين (ع)  وموالاته، وحبه للفقراء واختياره إياهم على أهل الثروة والعدد وحبه للعلم والعلماء كما جاء ذلك كله عن الصادق (ع) .

ج - بلغ سلمان في العلم درجة حتى قال عنه الأمير (ع) : بحر لا ينزف.

د - زار بيروت وحدّث فيها عن فضل المرابطة في سبيل الله كما سمع من النبي الكريم(ص).

ه - كان زاهداً متواضعاً يحب أن يأكل من عمل يديه رغم كونه أميراً على المدائن.

أسئلة حول الدرس

1 - من هو سلمان الفارسي؟

2 - ماذا ورد في حقّه عن النبي وعترته (ص)؟

3 - لماذا أكثر الصادق (ع)  من ذكره؟

4 - ماذا تعرف عن علمه؟

5 - ماذا حدث في مجلس رسول الله (ص)؟

6 - ما هو نسبه؟

7 - لماذا جاء سلمان إلى بيروت؟

8 - تحدّث عن زهده؟

للحفظ

من أقوال سلمان الفارسي(رض) :« عجبت بست، ثلاث أضحكتني وثلاث أبكتني، فأما التي أبكتني، ففراق الأحبة محمد وحزبه، وهو المطّلع والوقوف بين يدي الله عز وجل. وأما التي أضحكتني، فطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك فيه لا يدري أرضي الله أم سخط » (22).

للمطالعة

أمير المؤمنين (ع)  يتولى تجهيز سلمان ودفنه

يقول سلمان :« قال لي رسول الله (ص): إذا حضرك أو أخذك الموت، حضر أقوام يجدون الريح ولا يأكلون الطعام  يعني الملائكة .

ثم أخرج صرةً من مسك، فقال: هبة أعطانيها رسول الله (ص)، ثم بلّها ونضحها حوله، ثم قال لامرأته: قومي أجيفي الباب» (23).

قالت زوجته :« ففعلت، وجلست هنيئة، فسمعت هسهسةً، فصعدت، فإذا هو قد مات وكأنما هو نائم» (24).

والذي قام بتجهيزه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ! وكيفية ذلك هو ما رواه الأصبغ بن نباتة، قال:

«فبينما نحن كذلك  منشغلين بموت سلمان  إذ أتى رجل على بغلة شهباء متلثماً، فسلم علينا، فرددنا السلام عليه.

فقال: يا أصبغ جدوا في أمر سلمان، وأردنا أن نأخذ في أمره، فأخذ معه حنوطاً وكفناً فقال: هلموا، فإن عندي ما ينوب عنه. فأتيناه بماءٍ ومِغْسل، فلم يزل يغسِّلُه بيده حتى فرغ، وكفَّنهُ وصليْنا عليه ودفنَّاه ولحَّده علي (ع)  بيده، فلما فرغ من دفنه وهمَّ بالانصراف تعلقت بثوبه، وقلت له: يا أمير المؤمنين، كيف كان مجيئك؟ ومن أعلمك بموت سلمان؟

قال: فالتفت (ع)  إلي وقال: اخذُ عليك  يا أصبغ  عهدَ الله وميثاقه أنك لا تحدث به أحداً ما دمتُ حياً في دار الدنيا.

فقلت يا أمير المؤمنين، أموت قبلك؟

فقال: لا يا أصبغ، بل يطول عمرك!

قلت: يا أمير المؤمنين، خذ علي عهداً وميثاقاً، فإني لك سامع مطيع، إني لا أحدث به حتى يقضي الله من أمرك ما يقضي، وهو على كل شي‏ء قدير.

فقال لي: يا أصبغ، بهذا عهدني رسول الله، فإني قد صليت هذه الساعة بالكوفة، وقد خرجت أريد منزلي، فلما وصلت إلى منزلي اضطجعت، فأتاني اتٍ في منامي وقال: يا علي، إن سلمان قد قضى نحبه!

فركبت وأخذت معي ما يصلح للموتى، فجعلت أسير، فقرّب الله لي البعيد، فجئت كما تراني، وبهذا أخبرني رسول الله (ص).

قال الأصبغ: ثم إنه دفنه وواراه، فلم أرَ صعد إلى السماء، أم في الأرض نزل، فأتى الكوفة والمنادي ينادي لصلاة المغرب (25).






 

الدرس الثالث : المقداد بن الأسود وميادين الجهاد

أ - من عظماء الإسلام:

للمقداد (رض) صفات خاصة، ولشخصيته أبعاد هامة في تبليغ الرسالة والدعوة إلى الله تعالى وقد اخترنا في هذا الدرس التحدث عن سيرته الجهادية خصوصاً وأنه قد عرف بأول فارس في الإسلام ولقب بحارس رسول الله(ص) ومما جاء في وصفه:

كان من الفضلاء النجباء، الكبار الخيار من أصحاب النبي (ص) سريع الإجابة إذا دعي إلى الجهاد حتى حينما تقدمت به سنّه وكان يقول في ذلك :« أبت علينا سورة البحوث (26) «انفروا خفاقاً وثقالاً»».

وكان إلى جانب ذلك رفيع الخلق، عالي الهمة، طويل الأناة، طيب القلب، صبوراً على الشدائد، يحسن إلى ألدّ أعدائه طمعاً في استخلاصه نحو الخير، صلب الإرادة، ثابت اليقين، لا يزعزعه شي‏ء ويكفي في ذلك ما ورد في الأثر :« ما بقي أحد إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الأسود فإن قلبه كان مثل زبر الحديد وهو من الذين مضوا على منهاج نبيهم ولم يغيروا ولم يبدّلوا» (27).

ومما قاله فيه السيد بحر العلوم :« عظيم القدر، شريف المنزلة هاجر الهجرتين، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد تجمعت فيه (رض) أنواع الفضائل وأخذ بمجامع المناقب من السبق والهجرة والعلم والنجدة والثبات والاستقامة والشرف والنجابة» (28).

ب - المقداد في السنة الأولى للهجرة:

في السنة الأولى للهجرة كان المقداد لا يزال هو وبعض المستضعفين في مكة وليس من السهل أن يغادرها إلى المدينة للالتحاق برسول الله(ص) لظروف وقتية كانت تحتم عليه البقاء، لذلك كان يترقب فرصةً سانحة يمكنه معها الفرار من مكة إلى يثرب واللقاء بالنبي الأكرم(ص) والالتحاق بركبه حتى كانت سرية حمزة بن عبد المطلب وكان معها الخلاص، فخرج المقداد من مكة مع المشركين يوهمهم أنه يريد القتال معهم ولما بلغ إلى سرية الحمزة انحاز إليه ورجع معه إلى المدينة ونزل ضيفاً على رسول الله(ص) ولم يكن وحده بل كانوا جماعة.

وتوالت قوافل المسلمين الجدد بالوفود إلى المدينة وعلى النبي(ص) وأهل المدينة أن يهيئوا لهم ما يحتاجون من متطلبات الحياة الضرورية على الأقل.

فكان إذا هاجر بعض المسلمين وزّعهم رسول الله(ص) اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو... حسب العدد على إخوانهم الذين استقرت بهم الدار في المدينة وأصبحوا قادرين على النهوض بأنفسهم وعوائلهم.

وكان المقداد (رض) من أولئك الوافدين في عدد لا يستهان به حيث يحدثنا هو بذلك ويقول: لما نزلنا المدينة، عشرنا رسول الله(ص) عشرة عشرة في كل بيت! قال :« فكنت في العشرة الذين كانوا مع رسول الله (ص)» (29).

ج - المقداد في أول حرب خاضها المسلمون (بدر الكبرى):

من أبرز مظاهر هذه الحرب فقدان التوازن العسكري والمادي بين الفريقين، فقد كان عدد المسلمين ثلاثمائة أو يزيدون قليلاً بينما كان عدد المشركين يتراوح بين التسعمائة والألف، وقاد المشركون معهم مائة فرس وسبعمائة من الإبل، بينما قاد المسلمون معهم فرساً واحدة يقال لها «سبحة» كانت للمقداد وسبعين رأساً من الإبل حتى إن النبي (ص) كان هو وعلي وزيد بن حارثة يتعاقبون بعيراً واحداً. لكن إرادة الله كانت فوق الظنون والاحتمالات واستباق النتائج ومنَّ الله تعالى على المسلمين بالنصر المؤزّر في نهاية الأمر.

ولمّا كان الوضع في غاية الدقة والحرج قبل أن تحسم المعركة نظراً لفقدان التوازن كما ذكرنا، كان يتطلب مزيداً من الثبات والإصرار وبث الروح  الجهادية بين الصفوف والتسليم المطلق لما يقول النبي الأكرم (ص).

هنا برز دور المقداد  (رض) بحركة تعبوية فقام يصدح بصوت هدّار يلهب الدماء في العروق وقال :« يا رسول الله امضِ لأمر الله فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى :« اذهب وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون» ولكن اذهب وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (30) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه» (31).

وينقل أحدهم هذا المشهد مع ما تضمن من سرور وجه النبي(ص) قائلاً :« لقد شهدت مع المقداد مشهداً لئن أكون صاحبه أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ثم ذكر كلمة المقداد ثم قال: فرأيت رسول الله(ص) يشرق وجهه بذلك وسرّه وأعجبه (32).

بعد ذلك قال رسول الله (ص) :« سيروا با على بركة الله فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم».

د - المقداد في أُحد والغابة وخيبر:

وكان المقداد حاضراً في غزوة أحد وقد جعله النبي(ص) على الخيل بعد إعطاء لواء المهاجرين لأمير المؤمنين (ع)  ولواء الأوس إلى أسيد بن خضير ولواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر. ومما قاله  (رض) في غزوة الغابة :« فخرجت وأنا أسأل الله الشهادة حتى أدرك أخريات العدو».

لكن الله تعالى شاء أن ينصره نصراً مبيناً.

ومدحه حسان بن ثابت في قصيدته التي صوّر فيها غزوة الغابة قائلاً:
 

لولا الذي لاقت ومسّ نسورها   بجنوب ساية (33) أمسى في التقوادِ
للقينكم يحملن كل مدججٍ   حامي الحقيقة ماجد الأجدادِ
ولسر أولاد اللقيطة أننا   سلم غداة فوارس المقدادِ

              

ولم يغب المقداد  (رض) عن ساحة خيبر في تلك المشاهد البطولية لأمير المؤمنين(ع)  الذي غطّت شجاعته وخصوصاً في هذه الوقعة على شجاعة غيره، فإنه وإن كان المقداد حاضراً وقسم له رسول الله(ص) من أموال خيبر ونتاجها الزراعي لكن ظلّ قلع الباب بيدي أمير المؤمنين (ع)  يتردد صداه من أرض المعركة إلى يوم القيامة.

فسلام الله وملائكته على شجاعة أمير المؤمنين (ع)  وبأسه ورضوانه الدائم على بطولة المقداد الخالدة خلود المعجزات.

من فقه الاسلام

س: بعض الموظفين الإداريين الذين يحس الإنسان أنهم ليسوا مع الثورة وهم فقط قد بدلوا ظاهرهم ومن المحتمل أحياناً في بعض الأوقات أن يخربوا الأعمال، فهل من اشكال شرعي في الأخبار عن هؤلاء لدى المسؤولين المعنيين في الدولة؟ ما حكم ذهاب وإياب العائلة إلى عندهم؟

ج: في صورة تخريب الأعمال لا إشكال في الأخبار عنهم بعد وعظهم وارشادهم.

س: أنا صديق لأحد المسلمين وهو يؤدي فرائضه الدينية كالصلاة والصوم ولكنه لا يؤمن بولاية الفقيه وقيادة الإمام الخميني وحكومة الجمهورية الإسلامية، وطرز تفكيره التقاطي، فهل يجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من خلال النقاش معه؟ أو نقطع العلاقة معه؟

ج: أرشدوه.

س: ما هو تكليفي بالنسبة لأحد أقربائي ممن يتعاطى الترياك (34) بشكل سري؟ لطفاً اكتبوا لنا فتوى الإمام بالنسبة لشراء وبيع وشرب الترياك؟

ج: أرشدوه، وبيع وشراء الترياك غير جائز.

س: ما هو تكليفنا ونحن نرى الناس ترمي الخبز والأرز واللحم و... في المهملات والقمامة؟ مع أن ذلك يعد اسرافاً وتبذيراً وإهانةً للنعمة الإلهية؟

ج: أمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر مع مراعاة الشروط المقررة.

خلاصة الدرس

أ - المقداد أول فارس في الإسلام وصاحب البطولات العظيمة في ميادين الجهاد ولقب بحارس رسول الله (ص).

ب - التحق بالنبي الأكرم(ص) في السنة الأولى للهجرة عبر سرية عمه الحمزة (رض).

ج -  من المعارك التي خاضها: بدر الكبرى وأحد والغابة وخيبر.

د - قام المقداد بدور رائد في تعبئة الصفوف وزرع العنفوان والصلابة في النفوس خصوصاً حينما كانت الأعداد ضئيلة والتوازن العسكري مفقوداً في أرض المعركة كيوم بدر الكبرى.

أسئلة حول الدرس

1 - بماذا لقب المقداد؟

2 - ما هي أجمل خصاله؟

3 - ماذا قال للنبي(ص) يوم بدر؟

4 - ما هو دوره التاريخي؟

5 - ما هي المعارك التي شارك فيها؟

6 - متى التحق بالنبي (ص)؟

7 - عند من نزل في المدينة؟

8 - ماذا فعل المقداد في غزوة الغابة؟

للحفظ

من أقوال المقداد بن الأسود (رض) لرسول الله(ص) يوم بدر الكبرى : « يا رسول الله امضِ لأمر الله فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون...» (35).

للمطالعة تزويج المقداد بن الأسود

يروى: أن المقداد وعبد الرحمن بن عوف كانا جالسين، فقال عبد الرحمن للمقداد:

مالك لا تتزوج؟

قال: زوجني ابنتك.

فغضب عبد الرحمن وأغلظ له!! (36).

قام المقداد من عنده منكسفاً، يتعثر بأذيال الفشل، فلم يكن يتوقع من صحابي كعبد الرحمن أن يرده هذا الرد القاسي ويغلظ له في القول، وشعر في قرارة نفسه أن طلبه هذا قد جرَّ عليه مهانةً كان في غنى عنها، وأن عبد الرحمن الزهري نظر إليه نظرةً قبَليّةً؛ فبنو زهرة من صميم قريش، وأنى لحليف لهم من بهراء لاجى‏ء أن يتطاول على هذا البيت العريق يريد مصاهرته! ومن يكون المقداد في جنب عبد الرحمن، وابنة عبد الرحمن!!

غضب عبد الرحمن وأغلظ له، فما كان من المقداد إلا أن يمم قاصداً رحاب الرسول الكريم(ص) حيث يجد المؤمن فيض الرحمة والحنان والعطف، وحيث تجد الإنسانية المعذبة من يلم جراحها ويمسح الامها، مشى نحو النبي فشكا ذلك إليه.

فقال (ص) : « أنا أزوجك!» (37).

محمدٌ ومن مثل محمد!؟ وهبّت في تلك اللحظات نسمةٌ كأنها أتت من الجنة، هدأت لها نفس المقداد وارتاحت بعد عناء، وأطرق يفكر في جوٍّ مفعم بالنشوة، من يا ترى؟ من تكون هذه التي سيختارها له محمد؟

وربما خطر على باله أنه سيختار له واحدةً من بنات المهاجرين والأنصار كما فعل مع جويبر وجلبيب رضي الله عنهما؛ ولا أظن أن تصوره ذهب إلى أبعد من ذلك؛ وفي ذلك الهناء والسعادة، ولكن كانت المفاجأة أعظم وأكبر من التصوّر!!

فقد اختار له النبي(ص) كريمة درجت في أعز بيت من قريش والعرب، وأعز بيت في الإسلام؛ اختار له ابنة عمه «ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ». وإنما فعل ذلك  كما ورد عن أبي عبد الله الصادق (ع) « لتتضع المناكح، وليتأسوا برسول الله(ص) وليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم » (38) و« ليعلموا أن أشرف الشرف الإسلام » (39). كما في حديث اخر.






 

الدرس الرابع : عمّار بن ياسر في سماء الشهدة

أ - من عظماء الإسلام:

الصحابي الجليل عمار بن ياسر شهيد وابن شهيد وشهيدة، صاحب شخصية فذة في تأريخ الإسلام يصعب على المرء الإحاطة بعمق أهدافها وله مكانة عظيمة اتفقت عليها الكلمة وشهد له من تابعه وخالفه بالفضل وسمو الأخلاق والسخاء والشجاعة وغير ذلك من الخصال الحميدة.

ويكفينا ما قاله الرسول الأكرم(ص) في حقه :« ما لهم ولعمّار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» إن عماراً جلدة ما بين عيني وأنفي (40) ومما جاء في وصفه: أنه طويل الصمت كأنما تحدثه الملائكة، سديد الرأي لا يخدع عن الصواب، راجح العقل، زكي النفس، سخيّ اليد، هيّاب للحق، جري‏ء به لا يلوى فيه ولا يصرف عنه، تحلّى بأرفع خصال الرجولة فكان فيه عقل ونبل ومروءة وبعد نظر إلى جانب القوة والشجاعة.

وهذه السجايا هي التي مهّدت له وساعدته ليصاحب النبي الأكرم(ص) وكان عمار في تجواله مع النبي(ص) في بطاح مكة وشعابها وبين الصفا والمروة وحول البيت يصغي مسامع قلبه إلى أحاديثه(ص) حتى وصلت مكانته الخاصة لدى النبي(ص) إلى حد جعله أميناً على شؤونه الخاصة، يودع لديه بعض أسراره وكان الوسيط في زواجه(ص) من أم المؤمنين خديجة  (رض) حينما جاءت أختها هالة فقالت: يا عمار أما لصاحبك حاجة في خديجة؟

ب - عمار في مدرسة التضحية:

ينتمي عمار إلى عائلة فريدة في تضحياتها وتحملها ثم في شهادتها نهاية المطاف فإن أمه سمية كانت تُعذَّبُ في نفسها وفي زوجها ياسر، وفي ولدها عمار، بل كان كل واحدٍ من هذه العائلة يلاقي نفس الدور من طاغوت مكة أبي جهل.. لقد كان نصيب آل ياسر من تلك المعاناة الحصة الكبرى والحظ الأوفر.

كانت سمية ( أول شهيدة في الإسلام )، عجوزاً ضعيفةً وقعت في براثن وحش كاسر، إلا أن نفسها كانت أصلب من الحديد، وأقوى من السياط، تواجه الحقد الأعمى لهباً يتمدد على جسدها الطاهر بإيمان قوي وعقيدة راسخة مما جعل طاغوت مكة أبا جهل يفقد صوابه.. لقد أراد أن يسمع منها ما يكرهه قلبها.. أن تنال من محمدٍ ودينه.. ولكنها أسمعته ما يكره، فعمد إلى حربةٍ كانت بين يديه، فوجأها في قلبها، فكانت أول شهيدة في الإسلام.

وواجه زوجها ياسر  الشيخ الهرم  عين المصير فأمسى نجماً متألقاً في سماء الشهادة.

وبين الوالد والأم كانت محنة عمّار  الابن  تتفاقم وتزداد حتى كأنه يتلقى صورة تعذيبهما نصب عينيه ونبأ استشهادهما عذاباً متجدداً عليه يضاعف الامه ومحنه.

بالإضافة إلى هذا فإنهم لم يتركوا وسيلةً من وسائل القهر والتعذيب إلا استعملوها معه، فتارةً يسحبونه على الرمضاء المحرقة مجرداً من ثيابه، ثم يضعون صخرةً كبيرةً على صدره، فإن يئسوا منه لجأوا إلى تغريقه بالماء بغمس وجهه ورأسه حتى يختنق أو يشرف على الموت، فكان لا يدري بما يقول!

قال بعضهم وقد رأى عماراً متجرداً في سراويل: نظرت إلى ظهره فيه حبط كثير، فقلت: ما هذا؟! قال : « هذا مما كانت تعذبني به قريش في رمضاء مكة » [41).

ج - بين النبي(ص) وعمّار:

ويمر رسول الله(ص) بتلك الكوكبة من طلائع المسلمين وهم يواجهون المحنة ويصوغون بها الفجر الجديد في تأريخ الإنسانية، فيمسح جراحهم ويلملم أحزانهم معزياً ومسلياً وينظر الكل إليه بعيونٍ أتعبها ظلام العابثين والحاقدين، فيرون في عينيه بريق أملٍ ووميض رجاء، وينظر إليهم (ص) ثم يصافحهم مقوياً من عزائمهم شاداً على أيديهم.. وفي تلك اللحظات يقول له خباب بن الأرت: يا رسول الله، أدعُ لنا، فيدعو لهم. ثم يلتفت إليهم ويقول : « إنكم لتعجلون! لقد كان الرجل ممن كان قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ويشق بالمنشار فلا يرده ذلك عن دينه! والله ليتممن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله، والذئب على عنزه» [42).

إلا أنه صلوات الله عليه حينما يمر على عائلة ياسر ينظر إليهم برحمةٍ وشفقة.. ثم ما يلبث أن يقول : « صبراً يا ال ياسر، فإن موعدكم الجنة» (43) ثم يقبل على عمّار فيعزيه ويسليه، ويجهش عمّار باكياً وهو يبث إلى رسول الله همومه وأحزانه فيقول: يا رسول الله، بلغ منا العذاب كل مبلغ فيقول (ص) : « صبراً يا أبا اليقظان، اللهم لا تعذب أحداً من ال ياسر بالنار» [44).

د - عمّار ودوره التاريخي:

وكاد عمّار أن يلتحق بأبويه لفرط ما واجه من ضغوطٍ نفسية وجسدية تترك أقوى النفوس مضعضعةً مهزوزة، وأقوى الأجساد مكلومةً ومعاقة لولا إن المشيئة الإلهية اختارت البقاء لهذا الإنسان كي يؤدي دوره التأريخي كاملاً إزاء الرسول محمد(ص) ورسالته الخالدة، وأن يتوج حياته المباركة بأعظم المواقف التي يسجلها تأريخ أمةٍ لعظيم من عظمائها وقائدٍ من قادتها. بطلٌ من أبطال «بدر» وأمير على الكوفة، وقائد من القادة الذين شكّلهم أمير المؤمنين (ع) ..

هـ -  اخر الشراب والشهادة:

صدق رسول الله (ص) حينما قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية... واخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن وفي موضع اخر قال (ص): عمار على الحق حتى يقتل بين فئتين إحدى الفئتين على سبيلي وسنتي والأخرى مارقة عن الدين خارجة عنه (45) ففي يوم من أيام صفين استسقى عمار وقد اشتد به العطش، فأتته امرأة طويلة البدن ومعها إداوة وفيها ضياح من لبن فقال حين شرب: الجنة تحت الأسنة اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا إنا على الحق وإنهم على الباطل ثم حمل عليه ابن حوّى وأبو العادية فطعنه أبو العادية واحتز رأسه ابن حوّى لتكمل كوكبة الشهادة من ال ياسر باستشهاد الابن بعد الأم والأب.

ويبقى تاريخ الإسلام المجيد مشرقاً من دمائهم الطاهرة.

من فقه الاسلام

س: أعمل منذ مدة في محل لبيع الألبسة، صاحب المحل يقسم كاذباً ويكذب لأجل بيع البضاعة، فهل من اشكال شرعي في عملي هناك؟ ضمناً ليس لدي مكان اخر للعمل، فهل أنا شريكه في الجرم أم لا؟

ج: لا اشكال في العمل هناك ولكن الكذب والقسم الكاذب حرام وعليك بنهيه عن المنكر.

س: شخص فاسد أكره رجل من أقاربه على طلاق زوجته بسبب تردده المشبوه وعلاقته المشبوهة بها، وبعد اتمام العدة تزوجها، طبعاً في زمن الطاغوت كان معروفاً بين أصدقائه بالفساد والفحشاء ولم يتب من ذلك، فما حكم زيارة أقاربه له؟

ج: قطع الرحم غير جائز ولا اشكال في زيارته ويجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر مع مراعاة الشروط المقررة.

س: لدي أربعة أبناء عم وابنة عم واحدة لا يعبدون اللَّه على الإطلاق، وأكثر مداخيلهم القمار وبيع وشراء المخدرات ويهينون مقدسات الدين أيضاً، وكانوا مؤيدين ولا يزالون لحكومة الطاغوت الزائلة والتي كانت تؤمن لهم منافعهم غير المشروعة، وهم الان أيضاً في انتظار حكومة الطاغوت التي لن يروها انشاء اللَّه حتى في المنام، فهل يجوز لي زيارتهم؟

ج: لا تقطع الرحم وارشدهم بقدر الاستطاعة.

س:  امرأة في حياتها لا تطيع زوجها أولاً، لا تحترم زوجها ثانياً، تفشي أسرار الحياة الزوجية ثالثاً، دائماً تكذب رابعاً، ماذا على الرجل أن يفعل مع هذه المرأة من وجهة نظر الشرع؟

ج: يجب أن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر.

س: مذ تزوجت منذ عدة سنوات وأنا مقلد للإمام ومهتم بالمسائل الشرعية والدينية ولكن زوجتي مع الأسف لا تهتم كثيراً بالمسائل الدينية، وبعض الأحيان تصلي بعد الكثير من رفع الصوت والصياح ثم تقطع صلاتها، وهذا الأمر يؤلمني كثيراً، هنا ما هو تكليفي؟

1 - هل يجوز شرعاً أكل الطعام الذي تعده؟

2 - هل أنا مسؤول عن ذلك يوم القيامة؟

3 - هل يجب أن أطلقها لعدم اكتراثها بالدين؟

ج: إذا لم تكن منكرة للَّه أو للرسول أو لأحد ضروريات الدين فهي طاهرة ويجب أن تأمرها بالمعروف وإذا لم يؤثر فأنت معذور ولا يجب طلاقها، وقرار الطلاق بيدك أنت.

خلاصة الدرس

أ - عمار بن ياسر صحابي جليل له مكانة عالية عند النبي الأكرم (ص) حتى قال فيه :« إن عماراً جلدة ما بين عيني وأنفي».

ب - ينتمي إلى عائلة منَّ الله تعالى عليها بوسام الشهادة فأمه سميّة أول شهيدة في الإسلام وأبوه ياسر من الشهداء الأوائل في بداية نشر الرسالة الإسلامية في مكة.

ج - من أهم مزاياه الشجاعة والسخاء والثبات على الولاية وختمت حياته الشريفة بالاستشهاد كأبويه.

د - هو أحد أبطال بدر وقيادي عظيم لدى أمير المؤمنين (ع) ، وصاحب دور تاريخي مع النبي(ص) وعترته الطاهرة (عليهم السلام) .

أسئلة حول الدرس

1 - ماذا تعرف عن عمار بن ياسر؟

2-  من أمه وأبوه؟

3 - ما مكانته لدى النبي الأكرم (ص)؟

4 - ما هي أهم سجاياه؟

للحفظ

من أقوال عمار بن ياسر (رض) وهو يطلب رضى الله تعالى : « اللهم أنت تعلم لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت، اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك أن أضع ضبة سيفي في بطني ثم أنحني عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت، اللهم أعلم مما علمتني إني لا أعمل عملاً صالحاً هذا اليوم هو أرضى من جهاد الفاسقين ولو أعلم عملاً هو أرضى لك منه لفعلته» (46).

للمطالعة

عمّار يشتري عقد الزهراء (عليها السلام)!

عن جابر قال: صلى بنا رسول الله(ص) صلاة العصر، فلما تنفل جلس في قبلته والناس حوله فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ من مهاجرة العرب إليه وعليه سمل قد تهلل وأخلق وهو لا يكاد يتمالك ضعفاً وكبراً، فأقبل عليه رسول الله يستحثه الخبر.

فقال الشيخ: يا رسول الله، أنا جائع الكبد فأطعمني، وعاري الجسد فاكسني، وفقير فأرثني.

فقال رسول الله (ص): ما أجد لك شيئاً، ولكن الدال على الخير كفاعله، انطلق إلى ابنتي فاطمة.. ثم قال: يا بلال قم فقف به على منزل فاطمة.

فانطلق اعرابي مع بلال فلما وقف على باب فاطمة، نادى بأعلى صوته: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومختلف الملائكة، ومهبط جبرئيل الروح الأمين بالتنزيل من عند رب العالمين.

قالت: وعليك السلام، ممن أنت يا هذا؟

قال: من العرب أقبلت إلى أبيك سيد البشر مهاجراً من شقة، وأنا يا بنت محمد عاري الجسد، جائع الكبد، فارحميني يرحمك الله!

وكان لعلي وفاطمة (عليهما السلام) ثلاثاً ما طعموا منها طعاماً، فعمدت فاطمة إلى جلد كبش مدبوغ بالقرض كان ينام عليه الحسن والحسين (عليهما السلام) فقالت: خذ هذا أيها الطارق عسى الله أن يتيح لك ما هو خير منه.

فقال: يا بنت محمد، أنا شكوت إليك الجوع فناولتني جلد كبش، فما أنا صانع به مع ما أجد من السغب؟!

فعمدت فاطمة (عليها السلام) إلى عقد في عنقها أهدتها إياه فاطمة بنت عمها الحمزة، فقطعته من عنقها ونبذته إلى الأعرابي.

وقالت: خذه وبعه فعسى الله أن يعوضك بما هو خير لك منه.

أخذ الأعرابي العقد وانطلق إلى مسجد النبي(ص) والنبي جالس ومعه أصحابه، فقال: يا رسول الله، أعطتني فاطمة هذا العقد وقالت: بعه.

فقال النبي (ص): بعه، وكيف لا يصنع الله لك به خيراً وقد أعطتكه فاطمة بنت محمد؟ سيدة بنات ادم.

فقام عمار بن ياسر وقال: يا رسول الله، أتأذن لي بشراء هذا العقد؟

فقال (ص): اشتره يا عمار، فلو اشترك فيه الثقلان ما عذبهم الله بالنار!!

قال عمار: بكم تبيع هذا العقد يا أعرابي؟

الأعرابي: بشبعةٍ من الخبز واللحم، وبردةٍ يمانية أستر بها عورتي وأصلي لربي، ودينار يبلغني أهلي.

عمار: لك عشرون ديناراً، ومائتا درهم هجرية، وبردة يمانية، وراحلة تبلغك أهلك، وشبعك من الخبز واللحم.

وكان عمار قد باع سهمه الذي نفّله إياه رسول الله(ص) من خيبر.

الأعرابي: ما أسخاك أيها الرجل بالمال!

وانطلق عمار بالأعرابي فوفاه ما ضمن له، وعاد الأعرابي إلى النبي(ص) فقال له:

أشبعت، واكتسيت؟

الأعرابي: نعم، واستغنيتُ بأبي أنت وأمي.

فقال (ص): فأجز فاطمة بصنعها معك خيراً.

الأعرابي، رافعاً يديه نحو السماء متوجهاً بالدعاء يقول: اللهم أنت إلهٌ ما استحدثناك ولا إله لنا نعبده سواك، وأنت رازقنا، فاعط فاطمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. فأمّن رسول الله(ص) على دعائه.

وأقبل النبي(ص) على أصحابه وقال :« إن الله قد أعطى فاطمة ذلك وأنا أبوها وما في العالمين مثلي، عليٌّ بعلها ولولا عليٌّ ما كان لها كفؤٌّ أبداً، وأعطاها الحسن والحسين وما للعالمين مثلهما سيدا شباب أسباط الأنبياء، وسيدا شباب أهل الجنة».

وقال: أزيدكم؟

فقال سلمان وعمار والمقداد  وكانوا إلى جنبه  نعم.

قال: أتاني الروح الأمين وقال :« إنها إذا قبضت ودفنت يسألها الملكان في قبرها من ربك؟ فتقول: الله ربي. من نبيّك؟ فتقول: أبي، من وليك؟ فتقول: هذا القائم على قبري، علي بن أبي طالب».

ثم قال (ص): ألا أزيدكم من فضلها؟

قالوا: نعم زدنا يا رسول الله.

قال :« إن الله وكّل بها رعيلاً من الملائكة يحفظونها من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن شمالها وهم معها في حفرتها يكثرون من الصلاة عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ».

يقول جابر بن عبد الله: ثم إن عماراً عمد إلى العقد فطيبه بالمسك ولفه في بردة يمانية، وكان له عبد اسمه « أسهم » ابتاعه من سهمه في خيبر، فدفع العقد إلى العبد وقال: إنطلق إلى رسول الله بهذا العقد وأنت له مع العقد!

جاء العبد وبيده العقد إلى رسول الله (ص) وأخبره بذلك، فقال له.

إذهب إلى ابنتي فاطمة وأنت والعقد لها !

جاء العبد إلى فاطمة (عليها السلام) فأعطاها العقد وأخبرها بقول النبي (ص) فأخذت العقد وقالت: إذهب، فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى.

ضحك العبد.

قالت: مم تضحك؟

قال: أضحكتني بركة هذا العقد، أشبع جائعاً، وكسا عرياناً، وأغنى فقيراً، وأعتق مملوكاً، ورجع إلى أهله [47).

 






 

الفصل الثاني : السفراء الأربعة

 

رسالة من الإمام القائد (دام ظله) حول دعوى الإتصال المباشر بصاحب الأمر (عج) في زمن الغيبة

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

بعد الحمدلمن منّ علينا بأن بعث فينا رسولاً من أنفسنا علّمنا الكتاب والحكمة، وأفضل صلواته الزاكيات على الرسول الأعظم وعلى اله الأئمة الهداة إلى اللَّه والأدلاّء على مرضاة اللَّه.

ممّا يهتدى إليه كلّ ذي مسكة بعقله ويقرّ به كلّ من ألقى غطاء الغرور والعصبيّة وجبلّه هو أنّه لا بدّ على كلّ من أقرْ بالمبدأ ويعترف بالمعاد أن يسلك في أخذ معالم الدين للعمل بها في معاشه ومعاده طريقاً مأموناً من الانحراف يميناً أو شمالاً يضمن له النّجاح والنّجاة من الهلكة ممّا يكون حجّة له بين يدي اللَّه كما لا شك في أن خير سبيل سلكه السالك إلى اللَّه في ذلك هي الطريقة السهلة السليمة المألوفة المعروفة من السلف الصالح من أخذ معالم الدين في عصر الغيبة من العلماء باللَّه الأمناء على حلاله وحرامه الذين درسوا الفقه في مدارس الايات وأخذوا العلم خلفاً عن سلف أهل البيت الذين نزل في بيتهم جبرئيل (ع)  بالوحي، وعرفوا بصيانة النفس والحفاظ على الدّين ومخالفة الهوى واطاعة أوامر المولى، فمن تمسك بهذا الحبل المتين القويم فقد نجى ومن رغب عنه فقد هلك وتردّى.

وأمّا الاغترار بوهم الاتصال المباشر بصاحب الأمر إمام العصر.. أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ودعوى أخذ الفقه والارشادات والتعليمات منه (ع)  مباشرة ، فليس لمن ادّعاه حجّة يوثق بها ويصلح للاعتماد عليها ولا دليل من العقل والنقل يصدّقه، بل دعواه هذه لعلّها مجرّد وهم وخيال سوّلته إليه نفسه وساعد عليهما الشيطان بوساوسه لكي يخدعه بأوهامه ويشغله بنفسه ويحجزه عمّا فيه  رشده وصلاحه ويورثه الحسرة والنّدامة يوم يخسر المبطلون، ومن المحتمل جدّاً أن تكون وراء هذه الدّعاية أيدي الاستعمار والاستكبار تريد أن تأجّج بها نار الفتنة والتفرقة بين صفوف المؤمنين، أعاذنا اللَّه وجميع أخواننا المؤمنين من سوء العاقبة ومن شرور النفس والشياطين. وأنا أبرأ إلى اللَّه تعالى من أصحاب هذه المقالة المشبوهة المريبة، وانصح لهم بأن يرتدعوا عنها ولا يصبحوا لعبةً للشيطان في ادعاء ما لا يمكن الالتزام به في الدّين من دون مساعدة الدليل عليه.

وأحذّر جميع أخواتي وإخوتي المؤمنين وفّقهم اللَّه تعالى  من الانخداع والاغترار بمقالة أصحاب هذه الدّعاية المشبوهة وأوصيهم بالالتزام بمراجعة علماء الدين في أخذ التعليمات والارشادات وتعلم الأحكام الشرعية.

إنه ولي التوفيق






 

الدرس الخامس : السفير الأول عثمان بن سعيد العمري

رمز الوثاقة والأمانة

أ - من عظماء الإسلام:

قد لا تسعنا الفرحة إذا نال أحدنا وساماً أو تنويهاً من كبير قومه أو رئيسه، فكيف إذا كان الوسام من أهل البيت (عليهم السلام)  كما تشرّف بذلك عثمان العمري وولده وباقي السفراء الأربعة.

حيث قال مولانا العسكري (ع)  في حقه : « العمري ثقتي فما أدّى إليك عني فعني يؤدي وما قاله لك فعني يقول فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون» (48) وقد سمع العمري هذه الشهادة فيه فخرّ ساجداً شاكراً لله على هذه الثقة والنعمة وعلى هذا الوسام الإلهي، وبكى أمام من كانوا في مجلسه، فهو محل ثقة حجة الله على خلقه وجميع أهل الهداية والولاية التابعين لأهل بيت النبوة (عليهم السلام) .

فالعمري كان يحمل مواصفات عالية ويمتاز بروحية ملؤها الإيمان والإخلاص لله ورسوله وعترته الطاهرة (عليهم السلام)  وهذا ما جعله جليل القدر عظيم الشأن وأهَّله لأن يكون السفير الأول لولي الأمر (عج).. ولذلك حينما نقرأ سيرته العابقة بأريج الإيمان لا بد لنا أن نستفيد منها دروساً عملية في حياتنا من خلال مراعاة الموازين الإلهية في سائر تصرفاتنا من صدق الكلمة والوفاء بالوعد وصيانة الأمانة والخوف الدائم من الله تعالى ليؤدي ذلك كله إلى نيل ثقة أهل الإيمان بنا وائتمانهم لنا طالما كانت الرقابة الإلهية حاضرة في نفوسنا، إن الله سبحانه يرانا ويكتب أفعالنا والحساب اتٍ.

ب - سفارة العمري:

كان عثمان بن سعيد العمري سفيراً للإمام (عج) قرابة خمس سنوات إبّان خلافة المعتمد العباسي، ووكيلاً للإمامين الهادي والعسكري (ع)  طيلة خمس سنوات قبل مولده (عج) وكان يلقّب بالزيّات أو السمّان لأنه كان يتاجر بالسمن تغطية لأمره العظيم الذي كان يتولاه في عصر الرقابة الشديدة وكان يضطلع بالمهمة العظمى في ربط الإمام(عج) بالموالين وتبليغ توجيهاته وتعاليمه وإيصال أسئلتهم ومشاكلهم إليه.

وقد سئل  (رض) مرة هل مضى أبو محمد؟ أي هل لحق العسكري (ع)  بربه؟

فقال (رض) : « قد مضى، ولكن خلف فيكم من رقبته مثل هذه  وأشار بيديه إلى رقبة المولود الشريف  مؤكداً أنه مولود وموجود وأنه قد أيفع و...» (49) ( أي صار يافعاً ).

وكان  (رض) في جملة الذين حضروا تغسيل الإمام العسكري (ع)  وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.

ج - كتاب من صاحب الزمان (عج):

وجّه الإمام (عج) لسفيره كتاباً يشرح له ولشيعته أمر الله تعالى ويدعوهم للثبات على الحق وعدم التزلزل أمام الأوهام وأصوات الباطل التي يبثها المنحرفون عن جادة الحق.

ومما جاء في كتابه (عج):

«.. كيف يتساقطون في الفتنة ويتردَّدون في الحيرة، ويأخذون يميناً وشمالاً!. فارَقوا دينهم أم ارتابوا، أو عاندوا الحق، أم جهلوا ما جاءت به الروايات الصادقة والأخبار الصحيحة، أو عَلِموا فتناسَوا؟؟؟

أَوَما تعلمون أن الأرض لا تَخلو من حُجَّة، إما ظاهراً أو مغموراً؟ أَوَلَم يعلموا انتظام أئمتهم بعد نبيِّهم(ص) واحداً بعد واحد، إلى أن أفضى الأمر بأمر الله عزّ وجلّ إلى الماضي صلوات الله عليه (يقصد أباه) فقام مقام ابائه يهدي إلى الحق وإلى صراطٍ مستقيم، ومضى على منهاج ابائه حَذْوَ النعل بالنعل، على عَهْدٍ عَهِدَه ووصيَّةٍ أَوصى بها إلى وصيٍّ ستَره الله عزّ وجلّ بأمره إلى غاية، وأخفي مكانه بمشيئته للقضاء السابق والقدَر النافذ، وفينا موضعُه، ولنا فضلُه. ولو قد أَذِنَ الله عزّ وجلّ فيما قد منعه، وأزال عنه ما قد جرى به من حُكمه، لأراهم الحقَّ ظاهراً بأحسن حِلْيةٍ وأَبْيَن دلالة وأوضح علامة، وَلأبان عن نفسه وقام بحُجته. ولكنّ أقدار الله عزّ وجلّ لا تُغالَب، وإرادته لا تُردّ وتوفيقه لا يُسبق..

فَلْيَدَعوا عنهم اتِّباع الهوى، وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه، ولا يبحثوا عمَّا سُتِرَ عنهم فيأثموا، ولا يكشفوا سترَ الله عزّ وجلّ فيندموا» (50)

فإنه (عج) يثبِّت أولياءه في كل مناسبة، ويشدهم إلى عقيدتهم الأصيلة، ويزيل الشكوك من أذهانهم، ويحذِّرهم من الانحراف عن صراطهم المستقيم لئلا يضلّوا مع من ضلّ..

د - وفاة العمري وعزاء الإمام (عج):

وحين توفي هذا السفير الجليل، حزن الناس عليه حُزناً شديداً حتى أن الإمام المهديّ (ع)  حزن عليه وعزَّى فيه ابنَهُ السفير الثاني محمد بن عثمان وشرَّفه بكتاب قال فيه : « إنَّا لله وإِنَّا إليه راجعون، تسليماً لأمره ورضا بقضائه. عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وأَلحقه بأوليائه ومَواليه (ع) . فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً فيما يُقَرِّبه إلى الله عزّ وجلّ وإليهم. نضَّر الله وجهه وأَقال عثرته» (51)

وكتب إليه معزّياً مرة ثانيةً تدل على حزنه العظيم لفقد هذا السفير الجليل، وعلى مكانته من نفسه، ويبشِّره بإقامته مكان أبيه : « أَجزلَ الله لك الثواب، وأَحسنَ لك العزاء.. رُزئت ورُزئنا، وأوحشَك فراقه وأوحشَنا، فسرَّه الله في منقلَبه. كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً مثلك يَخلفُه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحَّم عليه» (52).

وبذلك تظهر المنزلة الكبرى للسفير الراحل وابنه السفير التالي.. فهو بحسب النصين السابقين يشتمل على مزايا هي التالية:

1 - الإجتهاد في خدمة الدين والإمام (قده).

2 - يسعى في ما يحصل به القرب من اللّه عز وجل وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) .

3 - محمود السيرة وثقة الإمام، فهو ثابت على العقيدة الحقة لا يتزلزل ولا يضعف ولا يفشي أسرار الإمام (عج) وإلا لما حمّله الإمام هذه المهمة.

من  فقه الاسلام

س: امرأة لا تهتم بالمسائل الشرعية كالصلاة والمسائل الأخرى لم تقم لصلاة الصبح في أي يوم، ما هو تكليف زوجها شرعاً؟

ج: يجب أن يأمرها بالمعروف ويحملها على الصلاة.

س: هل يجب صلة الرحم أيضاً مع القريب الذي يعتبر كافراً أو مرتداً؟

ج: صلة الرحم واجبة مطلقاً.

س: هل يجوز للإنسان شرعاً قطع رحم أقاربه مثل أمه وأبيه وأخته وغيرهم إذا كانوا بلا تقوى ولا يصلون وضد الثورة؟

ج: لا يجوز قطع الرحم ويجب أن يأمر هؤلاء بالمعروف وينهاهم عن المنكر مع رعاية الموازين الشرعية.

س: إذا كان أرحام الإنسان يرتكبون الفسق علناً مما يعرض الإنسان أيضاً لارتكاب الذنوب بمعاشرتهم، فهل يجب أيضاً معاشرتهم؟

ج: يجب أن يسعى ألا يقع في المعصية بل أن يرشدهم.

س: أخلاق والدي سيئة ومغرور ومتعجرف ويرى ظلم عائلته جائزاً، وأنا منذ بلوغي في حال مجاهدة مع أبي، فإذا واجهته في نفس الوقت حال حضور الناس أكون قد قمت بعمل سي‏ء وغير لائق، وإذا ناقشته منفرداً لا يقبل كلامي ويقول لا تكن قاسياً مع والدك، باختصار لا أدري ماذا أفعل، فهل ترى من الصلاح أن أناقشه أم لا؟

ج: يجب حفظ احترام الوالدين ومراعاة الأدب حال الحديث معهما وفي موارد لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كنت يائساً من التأثير فإن التكليف يسقط.

خلاصة الدرس

أ - عثمان بن سعيد العمري هو السفير الأول لصاحب الزمان(عج) وكان وكيلاً للإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) يمتاز بمؤهلات إيمانية جعلته رمزاً للوثاقة والأمانة ونيل شرف السفارة من الإمام(عج).

ب - من أقوال مولانا العسكري (ع)  فيه :« العمري ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي..» و«فاقبلوا من عثمان ما يقوله وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه».

ج - مدة سفارته: خمس سنوات.

د - عزى فيه صاحب الأمر (عج) ولده محمد الذي أصبح السفير الثاني بعد موت أبيه قائلاً :« ... تسليماً لأمره ورضاً بقضائه عاش أبوك سعيداً ومات حميداً فرحمه الله وألحقه بأوليائه...».

أسئلة حول الدرس

1 - ماذا تعني السفارة المهدوية؟

2 - كيف كان اتصال عثمان بن سعيد بالعسكريين (ع) ؟

3 - ما هو النص الذي يدل على سفارته؟

4 - بماذا اشتهر عثمان؟

5 - كم هي مدة سفارته؟

6 - من هو الخليفة العباسي في زمنه؟

7 - ماذا جاء في كتاب الإمام(عج) في التعزية به؟

8 - اذكر كتاباً ورد عليه من الإمام (عج)؟

للحفظ

من أقوال الإمام صاحب الزمان(عج) في عثمان بن سعيد العمري كما جاء في كتاب التعزية بوفاته الوارد إلى ابنه محمد : « إنا لله وإنا إليه راجعون، تسليماً لأمره ورضاً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (ع)  فلم يزل مجتهداً في أمرهم ساعياً فيما يقرَّ به إلى الله عز وجل وإليهم نضَّر الله وجهه وأقال عثرته» (53).

للمطالعة

المتوكل يعرض الخمر على الإمام الهادي (ع)

كان قد سُعي بأبي الحسن علي بن محمد الهادي (ع)  إلى المتوكّل وقيل له: إن في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، فوجّه إليه ليلاً من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله، على غفلة ممن في داره، فوجدوه في بيت وحده، مغلق عليه، وعليه مدرعة شعر، ولا بساط في البيت إلاَّ الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف، متوجّهاً إلى ربّه، يترنّم بايات من القران في الوعد والوعيد، فأخذ على ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه، والمتوكّل يشرب وفي يده كأس، فلمّا راه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شي‏ء مما قيل فيه، ولا حالة يتعلّل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده.

فقال (ع)  :« يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني منه ».

فأعفاه وقال: أنشدني شعراً استحسنه.

فقال (ع) : إنّي لقليل الرواية للأشعار.

فقال: لا بد أن تنشدني، فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم

واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم

ناداهم صارخٌ من بعد ما قبروا

أين الوجوه التي كانت منعّمة

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا

وطالما عمروا دوراً لتحصنهم

وطالما كنزوا الأموال وادّخروا

أضحت منازلهم قفراً معطَّلة

 

غلب الرجال فما أغنتهم القللُ

فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا

أين الأسرة والتيجان والحللُ

من دونها تضرب الأستار والكللُ

تلك الوجوه عليها الدود يقتتلُ

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا

فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا

وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا

قال: فأشفق كل من حضر على عليٍّ، وظنّ أن بادرة تبدر منه إليه.

قال: والله لقد بكى المتوكل بكاءً طويلاً حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم قال له: يا أبا الحسن أعليك دين؟

قال: نعم، أربعة الاف دينار فأمر بدفعها إليه، وردَّه إلى منزله من ساعته مكرّماً (54).

 






 

الدرس السادس : السسفير الثاني محمد بن عثمان العمري

وتكذيب الوقّاتين

أ - من عظماء الإسلام:

الشيخ الجليل محمد بن عثمان بن سعيد العمري (أبو جعفر) تولّى السفارة بعد أبيه بنص من الإمام العسكري (ع)حيث قال : « واشهدوا عليّ أن عثمان بن سعيد وكيلي وأن ابنه وكيل ابني مهديكم » (55).

وفي نص اخر :« العمري وابنه ثقتان فما أدّيا فعني يؤديان وما قالا فعني يقولان فاسمع لهما وأطعهما فإنهم الثقتان المأمونان» (56).

وفي نص ثالث : « وأما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل فإنه ثقتي وكتابه كتابي» (57).

وسبق أن تقدم تعيينه من قبل صاحب الزمان (عج) في كتاب تعزيته بوفاة والده.

واستمرت سفارة محمد بن عثمان قرابة أربعين عاماً عاصر فيها خلافة المعتمد العباسي وخلافة المعتضد وخلافة المكتفي وعشر سنوات من خلافة المقتدر. وتوفي سنة 305هـ.

ب - اجتماع الموالين على عدالته:

وكان جميع الموالين مجتمعين على عدالته وثقته وأمانته، وكلمات الإمام المهدي (ع)  فيه متضافرة فقد كان يُثني عليه الثناء العاطر ويشجّعه وهو في أول أيام اضطلاعه بمهمته الكبرى.

وكانت التوقيعات تخرج على يده من الإمام المهدي (عج) في المهمات طول حياته بالخط الذي كانت تخرج في حياة أبيه.

لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره ولا يُرجع إلى أحد سواه وقد نقلت عنه دلائل كثيرة ومعجزات الإمام ظهرت على يده وأمور أخبرهم بها عنه زادتهم في هذا الأمر بصيرة.

وبقي مضطلعاً بمسؤولية السفارة نحواً من أربعين سنة حيث كان أطول السفراء بقاء في السفارة وأكثرهم توفيقاً في تلقي التعاليم من الإمام المهدي (عج) وأوسعهم تأثيراً في الوسط الذي عاش فيه والذي كان مأموراً بقيادته وتدبير شؤونه.

وكان له كتب مصنّفة في الفقه مما سمعه عن الإمام العسكري (ع)  ومن الإمام المهدي (عج) ومن أبيه عثمان عن الإمامين العسكري والهادي (ع) .

ج - عالم بزمان موته:

كان يعلم بإرشاد من الإمام المهدي (عج) بزمان موته إذ حفر لنفسه قبراً وسوّاه بالساج.

يقول الراوي فسألته عن ذلك فقال: أُمرت أن أجمع أمري فمات بعد ذلك بشهرين.

وكان قد أعدَّ لنفسه ساجة نقش عليها ايات من القران الكريم وأسماء الأئمة (عليهم السلام)  على حواشيها.

قال الراوي فسألته عنها فقال هذه لقبري تكون فيه أُوضع عليها وأنا في كل يوم أنزل فيه أقرأ جزءاً من القران وأصعد وإذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا من سنة كذا صرت إلى اللَّه تعالى عزّ وجلّ.

قال الراوي: وما تأخّر الأمر حتى اعتلّ فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر والسنة التي ذكرها.

ولم يفت أبو جعفر العمري  (رض) أن يوصي إلى خلفه السفير الثالث: الحسين بن روح بأمر من الحجة (عج) وعندما تُوفّي دُفن في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه.

د - تكذيب الوقّاتين:

ينبغي للمؤمن أن يعيش دائماً حالة الاستعداد للقاء الإمام (عج) وظهوره الشريف وأن يستقرب ذلك ولا يستبعده كما جاء في دعاء العهد :« إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً» ولكن في المقابل عليه أن لا يقع في محذور نهانا الإمام (عج) واباؤه الطاهرون (ع)  عن الوقوع فيه ألا وهو التوقيت والتحديد.

يقول الإمام الصادق (ع)  مجيباً أبا بصير حينما سأله عن القائم (عج) : « كذب الوقّاتون، إنا أهل بيت لا نوقّت ثم قال: أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقّتين» (58).

وفي حديث اخر : « من أخبرك عنّا توقيتاً فلا تهابنّ أن تكذّبه فإنّا لا نوقّت لأحدٍ وقتاً» (59).

وفي حديث ثالث : « يا أبا محمد إنّا أهل بيت لا نوقّت وقد قال محمد (ص): كذب الوقّاتون، يا أبا محمد إن قدّام هذا الأمر خمس علامات: أولاهن النداء في شهر رمضان، وخروج السفياني، وخروج الخراساني، وقتل النفس الزكية، وخسف بالبيداء» (60).

فالمستفاد من جميع ما تقدم أن أهل البيت (عليهم السلام)  قد أقفلوا الباب أمام هذا الموضوع الخطير سواء في نقله عنهم بأنهم وقّتوا أو في ادّعاء إنسان لذلك ابتداءً من نفسه، وليس خفياً ما يتركه عدم الالتزام بهذا الأمر من اثار غير مرضية ولم يكن ذلك غائباً في وصايا صاحب الزمان (عج) الموجّهة إلينا في جملة من كتبه لسفرائه ومنهم السفير الثاني محمد بن عثمان فقد جاء في كتاب له : « أمَّا ما سألتَ عنه، أرشدك الله وثبَّتكَ ووقاك من أمر المُنكِرين لي من أهل بيتنا وبَني عمنا، فاعلمْ أنَّه ليس بين الله عزَّ وجلَّ وبين أحدٍ قرابة. ومَن أنكَرَني فليسَ منِّي، وسبيلُه سبيلُ ابنِ نوح!. وأمَّا سبيل عمِّي جعفر ووُلْده، فسبيلُ إخوة يوسف.. وأمّا أموالكم فلا نَقبلها إلا لتطهُروا. فمن شاء منكم فَلْيَصل، ومن شاء فَلْيَقطع، وما اتانا الله خيرٌ مما اتاكم.. أما ظهور الفَرَج فإنه إلى الله، وكذب الوقَّاتون..» (61).

هـ  من أحاديث السفير الثاني:

1 - إنه قال : « والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه» (62).

2 - وسئل: هل رأيت صاحب الأمر؟ قال : « نعم واخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: اللهم انجز لي ما وعدتني.. ورأيته متعلقاً بأستار الكعبة في المستجار يقول: اللهم انتقم بي من أعدائك» (63).

3 - دعاء رجب لكل يوم منه أوله : « اللهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك المأمونون..» (64).

من فقه الاسلام

س: والدي لا يعتقد أبداً باللَّه وبالرسول وبالمعاد ومن المسلم أنه لا يصلي وأحياناً يوهن من المحضر الإلهي المقدس ومحضر الرسول، ومع الثورة هو سي‏ء للغاية، وأخلاقه مع العائلة سيئة جداً  بسبب كون أمي واخوتي مؤمنين بالعقائد الدينية  وبعيداً عن العواطف الأبوية، أنا حاولت قدر استطاعتي التعامل معه بمحبة وسلوك حسن ونهيته عن أسلوبه في مقابل اللَّه والرسول وفي مقابل العائلة، إلاّ أن الطبع الملائم والسلوك الحسن لم يؤثر فيه والان وضع العائلة مضطرب وكل يوم خلاف ومشاكل، ومن جهة أبي صار أكثر شدة على العائلة وأنا اختلفت معه أيضاً.

طبعاً أذكر أنني تزوجت وأعيش في بيت زوجتي وقد قالت زوجتي أنها لا ترضى أن تذهب بعد ذلك إلى بيت والدي ووالدتي.

الان أريد من الإمام العزيز أن يبين لي تكليفي بالنسبة لأبي الكافر بكل شي‏ء؟

ج: اجتنب قطع الرحم واسعى لهدايته قدر الامكان.

س: بعض المجروحين وبسبب عدم التزامهم الكامل فإنهم لا يصلون، فكيف عليَّ أن أتصرف بصفتي ممرض؟

ج: بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع مراعاة مقرارتها.

س: هل يجوز للفتاة ارشاد ومساعدة الفتى مع رعاية الموازين الإسلامية؟

ج: لا مانع مع رعاية الموازين الإسلامية.

خلاصة الدرس

أ - الإمام العسكري (ع)  نصّ على محمد بن عثمان إضافة إلى أبيه وقال فيه صاحب الأمر(عج) وهو يعزيه بوالده :« ... من -كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه».

ب - دامت سفارته ما يقارب أربعين سنة فكانت الأطول، وتميّزت بكثرة الاتصال وحمل الرسائل من وإلى الإمام (عج).

ج - أعلمه الإمام(عج) بزمن وفاته فهيأ نفسه للموت وأوصى إلى خلفه الحسين بن روح بأمر من الإمام المهدي (ع) .

د - من الكتب التي وردت عليه ما تضمّن المنع عن توقيت الظهور وتكذيب الوقّاتين.

ه - اخر لقاء بينه وبين الإمام(عج) كان عند بيت الله الحرام كما حدّث بذلك.

أسئلة حول الدرس

1 - ماذا قال العسكري (ع)  عن محمد وأبيه عثمان بن سعيد؟

2 - اذكر ما ورد في تعزية الإمام(عج) له؟

3 - كم دامت سفارته؟

4 - هل تعرف حديثاً ينقله عن الإمام(عج)؟

5 - أين اخر عهده بالإمام(عج)؟

6 - ما موقف ال البيت (عليهم السلام)  من التوقيت؟

7 - إلى من يعود الأمر بظهور الفرج؟

8 - ما هو الدعاء الذي ينقله السفير الثاني عن الإمام(عج)؟

للحفظ

من كتاب للإمام(عج) يثني فيه على محمد بن عثمان ويبشّره بإقامته مكان أبيه :« أجزل الله لك الثواب.. وأحسن لك العزاء.. رزئت ورزئنا، وأوحشك فراقه وأوحشنا فسّره الله في منقلبه، كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه وأقول الحمد لله فإن الأنفس طيبة بمكانك وما جعله الله عز وجل فيك وعندك، أعانك الله وقوّاك وعضدك ووفّقك وكان لك ولياً وحافظاً وراعياً» (65).

للمطالعة

خصلتان عظيمتان

قال رسول الله (ص) : « إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أُمّتي أجنحةً، فيطيرون من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها، ويتنعّمون كيف شاؤوا، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم حساباً؟ فيقولون: ما رأينا حساباً، فيقولون: هل جزتم على الصراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطاً، فيقولون لهم: هل رأيتم جهنّم؟ فيقولون: ما رأينا شيئاً، فتقول الملائكة: من أمّة مَن أنتم؟ فيقولون: من أمّة محمّد(ص) فيقولون: نشدناكم الله حدّثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا؟ فيقولون: خصلتان كانتا فينا، فبلّغنا الله هذه المنزلة بفضل رحمته، فيقولون: وما هما؟ فيقولون: كنّا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير ممّا قُسم لنا، فتقول الملائكة: يحقّ لكم هذا» (66).

وهؤلاء هم المعنيّون بقوله تعالى :« إن الذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة وأجر عظيم». فهم عندما كانوا يراقبون الله في الخلوات، مع العلم بأن أكثر الجرائم ترتكب فيها، فهم لا شك سيراقبونه في حال العلانية، وموضوع الرضا أو سمِهِ (القناعة) أمر مهم جداً، ومضافاً لما مرّ عليك من الثواب فإنّ فيه راحةً نفسيةً وسعادة عظيمة، ومن هذا وَرَدَ في الحديث :« القناعة كنز لا يفنى».






 

الدرس السابع : السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي

ومكافحة الإدّعاء

أ - من عظماء الإسلام:

هو الشيخ الجليل أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي اشتهر أول أمره كوكيل مفضل لأبي جعفر محمد بن عثمان العمري حيث كان ينظر في أملاكه ويلقي بأسراره لرؤساء الشيعة الذين حصل في أنفسهم محصلاً جليلاً لمعرفتهم باختصاصه بمحمد بن عثمان وتوثيقه عندهم إلى أن انتهت الوصية إليه بالنص عليه. فلم يختلف في أمره ولم يشك فيه أحد.

على أن أبا القاسم ابن روح على جلالة قدره وقربه من السفير الثاني واختصاصه به لم يكن قد عاش تاريخا زاهراً بإطراء وتوثيق الأئمة (عليهم السلام)  لذلك احتاج أبو جعفر العمري من أجل ترسيخ فكرة نقل السفارة إليه وتوثيقه في نظر الموالين أن يُكرّر الإعلان عن مهمته في إيكال الأمر إليه وأن يأمر بدفع أموال الإمام (ع)  إليه قبل وفاته بأعوام بأمر من الإمام المهدي (عج).

وعندما اشتدّت بأبي جعفر العمري حاله اجتمع لديه جماعة من وجوه الشيعة فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم هذا أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (ع)  والوكيل والثقة الأمين فارجعوا إليه في أموركم وعوّلوا عليه في مهماتكم فبذلك أُمرت وقد بلّغت.

تولّى الحسين بن روح السفارة فعلاً بموت محمد بن عثمان ودامت سفارته حوالى إحدى وعشرين سنة وكان أول كتاب تلقاه من الإمام المهدي (ع)  كتاباً يشتمل على الثناء عليه وقد دعا له المهدي (ع)  في الكتاب وقال :« عرّفه الله الخير كله ورضوانه وأسعده بالتوفيق وقفنا على كتابه وهو ثقتنا بما هو عليه وإنه عندنا بالمنزلة والمحل اللذين يسرّانه زاد اللَّه في إحسانه إليه إنه ولي قدير» (67).

وقد اضطلع أبو القاسم منذ ذلك الحين بمهام السفارة وقام بها خير قيام وكان من مسلكه الالتزام بالتقية المضاعفة يحفظ بذلك مصالح كبيرة ويجلب بها قلوب الكثيرين وقد تولّى  (رض) أيام سفارته الحملة الرئيسية ضد ظاهرة الانحراف عن الخط وادعاء السفارة زوراً بتبليغ الموالين توجيهات الإمام (عج) وبقي مضطلعاً بمهامه العظمى حتى لحق بالرفيق الأعلى عام 326 ودفن في النوبختية وقبره اليوم في بغداد معروف وهو مقصدٌ ومزارٌ.

ب - الافتراء على صاحب الزمان(عج):

لا يختلف اثنان أنه من أسوء الأخلاق وأشدّها إيذاءً أن يدّعي الإنسان صفة أو مكانة ليست له، ثم يتصرف بعد الادّعاء مشرّعاً لنفسه القيام بالمهمات المترتبة على ذلك وهو بالأصل ليس مخوّلاً في شي‏ء منها على الإطلاق.

وكمثال على ذلك نرى الرجل الذي يدّعي قيمومته على أطفال قاصرين في حال سفر أبيهم أو موته ويبادر إلى بيع ممتلكاتهم وصرف الثمن في شؤونه الخاصة ويأكل في بطنه ناراً ويحرم ذوي الحق من الوصول إليه مع أن والد الأطفال لم يجعله قيّماً ولا وصيّاً عليهم بل ادّعى ذلك غشاً وتزويراً وبهتاناً.

إنا نرى ذلك الإنسان في غاية السوء ولا بد من إخضاعه لحكم العدالة في الإسلام وردّ الحقوق لذويها.

وهذا نموذج خطير من الادعاء وهو انتحال لصفة كاذبة لكن لا يصل خطره إلى حد أن يدعي رجل أنه وكيل الإمام صاحب الزمان (عج) الخاص أو سفيره ويفتري بذلك افتراءً تتسع حدوده إلى بقاع الدنيا بأجمعها لما لهذا الموقع من أهمية وما يترتب على كونه سفيراً أو وكيلاً خاصاً من اثار عظيمة ترتبط بحياة الأمة ومستقبلها ودينها ودنياها.

ج - تدخل الإمام (عج) وكتاب البراءة:

وبالفعل إن هذا الأمر حدث من بعض أعداء الإسلام والولاية في زمن سفارة الحسين بن روح حيث ادّعى البعض ذلك وقام بإيهام الناس وتضليلهم، لكن الإمام (عج) لم يكن ليترك هذا الأمر وهنا تبرز قاعدة اللطف في صيانة الدين عن أن يتلاعب المتلاعبون به للنيل من الشريعة المقدسة خصوصاً وأن المدّعين لهذا المقام الشريف، قد أمعنوا في غيّهم فأحلّوا ما حرّم الله تعالى وحرّموا ما أحلّه وبثّوا العقائد الباطلة ونقلوا عنه(عج) أكاذيب بعيدة كل البعد عن دين الإسلام بعد ادعائهم السفارة من تلقاء أنفسهم ودعوا الناس إليهم فغرّروا بطائفة من الناس وخدعوهم واستغلوا أموالهم وتحكّموا في مصالحهم وصوّروا الأمور على أهوائهم ورغباتهم فضلوا وأضلّوا فخرج على يد الحسين بن روح  (رض) توقيع من الإمام(عج) في لعنهم والبراءة منهم كالشلمغاني ونصّه كما في البحار : « إن محمد بن علي المعروف بالشلمغاني قد ارتد عن الإسلام وفارقه والحد في دين الله وادعى ما كفر معه الخالق وافترى كذباً وزوراً وقال بهتاناً وإثماً عظيماً وإنا قد برئنا إلى الله ورسوله منه ولعناه عليه لعنة الله وعلى من شايعه وبايعه» (68).

د - حذارِ أن نخدع:

بعد انتهاء زمن السفارة يمكن أن يحدث ما حصل في أثنائها بأن يأتي أناس يقولون حدّثنا الإمام (عج) وقال لنا أن فلاناً غير مستقيم أو أن الحكم الشرعي الفلاني غير صحيح وما شاكل ذلك من الأقاويل ولذا فلنكن حذرين فإنه لا يسوغ لنا الأخذ إلا ممن أمرنا الإمام(عج) بالأخذ منهم وأرجعنا إليهم في أحكام ديننا في زمن الغيبة الكبرى وهم مراجع الدين العظام وعلى رأسهم ولي أمر المسلمين القائد المفدّى (دام ظله) فإنه لا يجوز لنا إذا جاء شخص وادّعى رؤية الإمام (عج) وقال أنا سألت الإمام (عج) عن الخمس في الهدية وقال غير واجب بينما المرجع الذي تقلّدونه يقول واجب فعليكم تخطئته لأنه إذا وجد الأصل بطل الفرع أو أن الإمام (عج) يقول إن فلاناً من الناس غير عادل أو أنه متولد من الزنا وما شاكل ذلك من الأمور.

في مثل هذه الحالات الواجب علينا دون أدنى شك هو الالتزام بالأحكام الشرعية والفتاوى الصادرة من المرجع الذي نقلّده لأنه السبيل الصحيح في زمن الغيبة الكبرى التي أمرنا فيها بالرجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط وولي الأمر وإلا لو جاز الرجوع إلى أي إنسان يدعي رؤية الإمام وتصديقه فيما ينقله لضاع الدين واختلت موازين الشريعة مع أن أئمتنا (عليهم السلام)  تكاملت أدوارهم وتنوّعت في سبيل هدف واحد ألا وهو صيانة الإسلام والحفاظ عليه.

من  فقه الاسلام

س: هل يلزم في الدفاع عن الإسلام والجمهورية الإسلامية إجازة الإمام أو مرجع التقليد أم لا؟

ج: يجب على جميع المكلّفين الدفاع عن الإسلام والمسلمين ولا يشترط الإجازة.

س: إذا احتل العدو الصهيوني الكافر منطقة من بلاد المسلمين، فهل يجب على ساكني تلك المنطقة المقاومة مع علمهم أنهم إذا قاوموا  فإنهم سيتحملون أضراراً من قبيل السجن ودهم المنازل وشبهه؟ وحتى لو علموا بأن دفاعهم سيؤدي إلى الشهادة؟ وهل يجب عليهم الدعم المادي والمعنوي للمجاهدين المسلمين الذين ينفذون العمليات العسكرية أم لا؟

ج: يجب الدفاع ويلزم على المسلمين مساعدتهم.

س: هل أن الدفاع واجب على أهل تلك المدينة أو البلد أم على جميع المسلمين؟

ج: صدّ العدوّ المعتدي  واجب كفائي على جميع المسلمين.

س: متى يجب على الجميع الالتحاق بالجبهات؟

ج: حينما يتعرض الإسلام أو بلد إسلامي للهجوم ولا يوجد في الجبهة مدافعون بالقدر الكافي.

س: إذا شكّ الإنسان في كفاية عدد المجاهدين، هل يجب عليه الإلتحاق في الجبهة أم لا؟

ج: يجب الإلتحاق إلى أن يحصل الإطمئنان بوجود العدد الكافي في الجبهة.

خلاصة الدرس

أ - أمر الإمام (عج) محمد بن عثمان أن يبلّغ شيعته بإقامة الحسين بن روح مقامه وبالفعل لما اشتدت الحال به اجتمع وجوه الشيعة لديه وسألوه فأجابهم بما أمره الإمام قبل أن تفيض روحه.

ب - تولى الحسين بن روح السفارة بموت السفير الثاني ودامت سفارته حوالي الواحد والعشرين عاماً إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام 326هـ.

ج - كافح  (رض) الادعاءات الكاذبة للوكالة والسفارة كما أمر من الإمام (عج) وجاءت البراءة من المدّعين في كتبه (عج) وكذلك لعنهم كالشلمغاني وغيره.

د - السبيل الصحيح لأخذ الأحكام الشرعية في زمن الغيبة الكبرى هو الارتباط بالمرجع الجامع للشرائط وولي أمر المسلمين ولا يجوز الرجوع إلى من يدّعي رؤية الإمام(عج) لأخذ التكاليف منه في الغيبة الكبرى.

أسئلة حول الدرس

1 - متى أصبح الحسين بن روح سفيراً؟

2 - ماذا كان يعمل قبل توليه السفارة؟

3 - كم امتدت سفارته؟

4 - اذكر كتاب الإمام (عج) المشتمل على ثنائه؟

5 - متى توفي السفير الثالث؟

6 - اذكر واحداً من الذين ادعوا السفارة؟

7 - كيف تعامل الإمام (عج) مع الادعاء؟

8 - إلى من نرجع في زمن الغيبة الكبرى؟

للحفظ

دعا الإمام(عج) للحسين بن روح النوبختي وأثنى عليه في كتابه قائلاً : « نعرفه عرّفه الله الخير كلّه ورضوانه وأسعده بالتوفيق، وقفنا على كتابه وهو ثقتنا بما هو عليه وإنه عندنا بالمنزلة والمحل اللذين يسرّانه، زاد الله في إحسانه إليه إنه ولي قدير والحمد لله لا شريك له وصلى الله على رسوله محمد واله وسلّم تسليماً كثيراً» (69).

للمطالعة

طاووس اليماني

قدم هشام بن عبد الملك حاجاً أيام خلافته فقال: ائتوني برجل من الصحابة.

فقيل: قد تفانوا.

قال: فمن التابعين.

فأتي بطاووس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلّم عليه بإمرة المؤمنين، بل قال: السلام عليك، ولم يكنّه ولكن جلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضباً شديداً وقال: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت؟

قال: وما صنعت؟ فازداد غضبه فقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلّم عليّ بإمرة المؤمنين، ولم تكنّني، وجلست بإزائي، وقلت: كيف أنت يا هشام.

فقال طاووس: أمّا خلع نعالي بحاشية بساطك فإنّي أخلعهما بين يدي ربّ العزة كل يوم خمس مرات ولا يغضب عليّ لذلك.

وأمّا قولك: لم تسلّم عليّ بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب.

وأمّا قولك: لم تكنّني، فإنّ الله عزّ وجلّ سمى أولياءه فقال: يا داود ويا يحيى ويا عيسى، وكنّى أعداءه فقال : « تبت يدا أبي لهب وتب» (70).

وأما قولك: جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)  يقول :« إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام».

فقال هشام: عظني.

فقال طاووس: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)  يقول : « إنّ في جهنم حيّات كالتلال، وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته».

ثم قام وهرب (71).






 

الدرس الثامن : السفير الرابع علي بن محمد السمري

ونبأ الوفاة

أ - من عظماء الإسلام:

الشيخ الجليل أبو الحسن علي بن محمد السمري. ذُكر أولاً كواحد من أصحاب الإمام الحسن العسكري (ع)  ثم ذكر قائماً بمهام السفارة لقائم ال محمد(ص) ببغداد بعد الشيخ ابن روح بإيعاز منه عن الإمام المهدي (عج).

تولى السفارة من حين وفاة الحسن بن روح عام 326 إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام 329 في النصف من شعبان فتكون مدة سفارته عن الإمام المهدي (عج) ثلاثة أعوام كاملة.

ولم ينفتح للسمري خلال هذا الزمان القصير بالنسبة إلى أسلافه القيام بفعاليات موسعة كالتي قاموا بها ولم يستطع أن يكتسب ذلك العمق والرسوخ في القواعد الشعبية كالذي اكتسبوه وإن كان الاعتقاد بجلالته ووثاقته كالاعتقاد بهم.

ولعل لتلك السنوات المليئة بالظلم والجور وسفك الدماء دخلاً كبيراً في كفكفة نشاط هذا السفير وقلة فعالياته فإن النشاط الاجتماعي يقترن وجوده دائماً بالجو المناسب والفرصة المؤاتية فمع صعوبة الزمان وكثرة الحوادث لا يبقى هناك مجال مهم لمثل عمله المبني على الحذور والكتمان.

ب - الإمام (عج) ينعي السمري ويختم السفارة:

وكان السمري  (رض) قد أخرج إلى الناس قبل وفاته بأيام توقيعاً من الإمام المهدي(عج) يعلن فيه انتهاء الغيبة الصغرى وعهد السفارة بموت السمري ويمنعه من أن يوصي بعد موته إلى أحد ليكون سفيراً بعده.

ويقول (عج) فيه : « بسم الله الرحمن الرحيم: يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيبة التامة. فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً...» (72).

فكان هذا اخر خطاب خرج من الإمام المهدي(عج)  عن طريق السفارة الخاصة واخر ارتباط مباشر بينه وبين الناس في الغيبة الصغرى قضى بعده علي بن محمد السمري بستة أيام فدفن في بغداد حيث يوجد له مزار معروف.

وكان لما أدركه مرض الموت في نهاية الأمر موجوداً في مدينة السلام سئل أن يوصي لغيره فقال : « لله أمر هو بالغه» (73).

وبموت السمري ابتدأت الغيبة الكبرى لمولانا صاحب الزمان(عج)  وكانت سفارته(قده)  في وقت ملي‏ء بالظلم والاضطهاد والعداء لال محمد(ص) في زمن خلافة الراضي وخمسة أشهر وأيام من خلافة المتقي من العباسيين، الذين كانوا يتفنّنون في أنواع التعذيب والتضييق والتنكيل بأهل البيت (عليهم السلام)  والموالين لهم.

ج - صاحب الزمان (عج) يأمرنا بالتسليم:

من جملة الكتب التي خرجت بتوقيع مولانا صاحب الزمان(عج)  في زمن الغيبة الصغرى، كتاب يخاطب به الموالين ويأمرهم بالتسليم لأمره ونهيه والثبات على ولايته وعدم الانحراف أو إثارة الشكوك التي يسعى إلى تنميتها أعداء أهل البيت (عليهم السلام) .

ومما جاء في كتابه الشريف : « ... عافانا الله وإياكم من الفتن ووهب لنا روح اليقين وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب... أو ما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها من لدن ادم إلى ان ظهر الماضي كلما غاب علم بدا علم وإذا أفل نجم بدا نجم... وإن الماضي مضى سعيداً فقيداً على منهاج ابائه (ع)  حذو النعل بالنعل، وفينا وصيته وعلمه، ومنه خلقه ومن يسد مسده ولا ينازعنا موضعه إلا ظالم اثم ولا يدعيه دوننا إلا كافر جاحد، ولولا أن أمر الله لا يغلب وسرّه لا يظهر ولا يعلن، أظهر لكم من حقنا ما تبرأ منه عقولكم ويزيل شكوككم.. لكنه ما شاء الله كان، ولكل أَجَلٍ كتاب..

فاتَّقوا الله، وسلِّموا لنا، وردّوا الأمر إلينا، فعلينا الإِصدار كما كان منَّا الإِيراد، ولا تحاولوا كشف ما غُطّيَ عنكم، ولا تميلوا عن اليمين، ولا تعدلوا إلى اليسار، واجعلوا قصدَكم إلينا بالمودّة على السنَّة الواضحة. فقد نصحتُ إليكم، والله شاهدٌ عليَّ وعليكم.. ولولا ما عندنا من محبة صلاحكم ورحمتكم والإشفاق عليكم لَكُنَّا في شُغلٍ ممّا قد امْتُحِنَّا به من منازعة الظالم الْعُتُلّ الضالِّ المتابع في غيّه المضادّ لربه، المدَّعي ما ليس له، الجاحدِ حقَّ من افترضَ الله طاعته، الظالمِ الغاصبِ لي، وبي شَبَهُ رسول الله، ولي أُسوةٌ حسنةٌ برسول الله(ص) وسيَرْدَى الجاهل وراء علْمه، وسيعلم الكافر لمن عُقبى الدار.. عصمنا الله وإيَّاكم من المهالك والأسواء والافات والعاهات كلها برحمته، فإنه وليّ ذلك والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليّاً وحافظاً، والسلام على جميع الأوصياء والمؤمنين، ورحمة الله وبركاته..» (74).

وليس في هذه الرسالة ما يحتاج إلى توضيح وتعليق..

د - اجتماع القلوب واليمن بلقائه(عج):

جاء في كتابه (عج) إلى شيخنا المفيد (قده)  : « لو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته، على اجتماع القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل» (75).

والذي هو واضح في هذه الفقرة أن الفوز بلقائه (ع)  وحلول وقت ظهوره يتعجل من خلال أمرين:

أحدهما: اجتماع القلوب على الوفاء له والتسليم لأمره.

والثاني: عدم القيام بما يكرهه (عج) ولا يفضله من سائر شؤوننا الدينية والحياتية.

وبكلمة أوضح هجران ما يغضب الله ورسوله أهل بيته (عليهم السلام)  فإنه طالما لم نترك ما يؤذيه (عج) لن نوفّق للتشرّف بخدمته لذلك إن سيادة الأخلاق تعجّل فرجه الشريف وكثرة الانحراف وعدم الوفاء يعوقان ذلك.

جعلنا الله تعالى من أنصاره وخدّامه والمستشهدين بين يديه ووفّقنا اللَّه للتمهيد له بترك الذنوب والاثام والالتزام بالتكليف الشرعي إنه سميع مجيب.

من فقه الاسلام

س: هل أن الذي يريد الجهاد في سبيل اللَّه أو الدفاع عن ديار الإسلام مع عدم الكفاية يجب عليه أن يستأذن والديه ولو مع بعدهم وعدم علمهم؟ وعلى فرض أن الشرع لا يجوز الذهاب من دون إذنهم، فهل سماحتكم تعطون الإذن في الذهاب فيحق لنا الذهاب إلى الجبهات؟

ج: الدفاع عن الإسلام والمسلمين وبلادهم واجب كفائي ولا يجب في مثله الإستئذان من الأبوين.

س: أحب جداً أن أذهب إلى الجبهة وأن أقاتل أعداء الإسلام ولكن والدي ووالدتي يقولان أن سني ليس أكثر من 12 سنة، ما هو تكليفي؟

ج: لا يجب على غير البالغين المشاركة في الجبهة.

س: أنا طالب في الصف الثالث اعدادي، سجلت اسمي في سجل التعبئة من أجل المشاركة في قتال الحق على الباطل ولكن أبي وأمي يقولان :« باكر على ذهابك إلى الجبهة» ومن هذه الجهة منعت من الذهاب إلى الجبهة، ودائماً نختلف في البيت ويطردانني مما يبعث على عذابي، الرجاء بينوا ما هو تكليفي؟

ج: فلتراعِ حال والديك.

س: هل يلزم على الشباب غير البالغ تحصيل إذن والده الذي لا يزال تحت ولايته بالنسبة للذهاب إلى الجبهة؟

ج: لا يجب الذهاب على غير البالغ.

س: هل يستطيع من لم يبلغ سن التكليف بعد، أن يشترك في الجبهة؟ وهل يشترط إذن والديه؟ ما حكم الإجازة من الوالدين بالنسبة للبالغين؟

ج: ما دامت الجبهة بحاجة إلى المقاتلين يجب الذهاب على البالغين ولا يشترط رضى الوالدين، ولا يجب على غير البالغين ولو مع تحصيل إذن الولي.

خلاصة الدرس

أ - تولى السمري السفارة من حين وفاة الحسين بن روح في عام 326هـ إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام 329 فتكون مدة سفارته ثلاث سنوات.

ب - بوفاة السمري ختمت السفارة وبدأت الغيبة الكبرى وكان اخر خطاب خرج من الإمام(عج) على يده نعى فيه السمري بعد ستة أيام وقال :« فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بإذن الله..».

ج - مما أكد عليه الإمام(عج) في وصيته لمواليه كما جاء في بعض كتبه التسليم لأمره ونهيه وفي الحديث :« شيعتنا المسلِّمون لأمرنا».

د - اجتماع القلوب بالوفاء للإمام(عج) والالتزام بطاعته من الأمور التي تعجل ظهوره الشريف، والإتيان بما يكرهه مما يؤجّله، ولذلك إن اقتراف الذنوب والاثام من معوقات ظهور القائم (عج) وهي أكثر إيلاماً لقلبه الشريف إذا صدرت من شيعته ومواليه.

أسئلة حول الدرس

1 - متى تولى السمري السفارة؟

2 - ما هو اخر خطاب خرج على يده من الإمام(عج)؟

3 - ماذا قال السمري حين سئل أن يوصي لغيره؟

4 - إلى ماذا يدعو الإمام(عج) أتباعه في زمن الغيبة الصغرى؟

5 - ما دور اجتماع القلوب في حركة الظهور؟

6 - اذكر كتاباً خرج على يد السمري؟

من أقوال الإمام (عج) التي خرجت على يد السمري  (رض) في كتاب له يعلن فيه انتهاء السفارة بوفاة السفير الرابع : « بسم الله الرحمن الرحيم: يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميّت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره» [76).

للمطالعة

مخافةُ الله ومحاسبة النفس

نقل الشيخ الصدوق (عليه الرحمة) هذه القصة فقال: بينما رسول الله(ص) مستظلٌ بظل شجرة في يومٍ شديد الحرّ، إذ جاء رجلٌ فَنَزَعَ ثيابه، ثم جعل يتمرّغ في الرّمضاء يكوي ظهره مرّة، وبطنه مرّة، وجبهته مرّة، ويقول: يا نفسُ ذوقي.. فما عند الله عزّ وجلّ أعظم ممّا صنعت بك.. ورسول الله ينظر إلى ما يصنع.

ثم إنّ الرجل لبس ثيابه، ثمَّ أَقبلَ فأومأ إليه النبي(ص) بيده ودعاه، فقال له: يا عبد الله لقد رأيتك صنعت شيئاً ما رأيت أَحداً من الناس صنعه، فما حَمَلك على ما صنعت؟. فقال الرجل: حَمَلَني على ذلك مخافة الله عزّ وجلّ، وقلتُ لنفسي: يا نفس ذوقي فما عند الله أعظم مما صنعت بك. فقال النبي (ص): لقد خفتَ ربك حقّ مخافته، فإنّ ربك ليباهي بك أهل السماء.. ثم قال لأصحابه: يا معشر مَن حضر: أدنوا من صاحبكم حتى يدعو لكم، فدنوا منه فدعا لهم، وقال لهم : « اللهم اجمع أمرنا على الهدى، واجعل التقوى زادنا، والجنّة مابنا» (77).

نستفيد من القصّة أنّه ينبغي للإِنسان أَن يلتفت إلى نفسه، ويحاسبها على تقصيرها وإسرافها، ويصلح ما فسد منها، وإنّ العلماء قد اهتموا بالأمر اهتماماً كبيراً، حتى ألّفوا كتباً في ذلك، فمنها:(محاسبة النفس للسيد ابن طاووس، وللكفعمي).

 



 

الفصل الثالت : أعلام أربعة 

الدرس التاسع : الإمام الخميني (قده) وعلاقته بآل البيت (ع)

أ - من عظماء الإسلام:

مما جاء في الزيارة الجامعة : « بأبي أنتم وأمي ونفسي وأهلي ومالي، من أراد الله بدأ بكم.. ومن وحّده قبل عنكم، ومن قصده توجه بكم..».

من هذا النص الشريف نتعرف معاً على أن الطريق إلى الله تعالى عبر أهل البيت(عليهم السلام)  ومن وقف إرادته على ما يريده الخالق تعالى منه لا بد له أن يبدأ من عندهم (ع)  وهكذا كان إمامنا الخميني (قده)  العارف بهذه الحقيقة الساطعة مؤمناً بذلك وشديد المثابرة على التوسل والزيارة والدعاء يقول تعالى : « قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم» (78) وهذا من أهم أسباب التوفيق وبالخصوص التوسل ببقية الله الأعظم مولانا صاحب الزمان (عج) فإن التوسل يساعد الإنسان مساعدة عظيمة في تحصيل العلم وكسب الإخلاص وتهذيب النفس وترك الذنوب والانتصار على الشيطان وإن من أهم أسرار توفيق الإمام الخميني (قده)  فيما وصل إليه في سائر جوانب حياته الشريفة هو توجه هذا القائد الإلهي وعلاقته وتوسله بالأئمة الميامين (ع)  كما هي سيرة جميع علمائنا الأبرار، وسوف نستعرض نماذج عالية في النقاط التالية من الدرس بما يوضح مدى عشقه وتعظيمه وتمسكه بالعترة الطاهرة.

ب - العشق:

إن عشق الإمام (قده)  لأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)  لا يمكن لأحد وصفه حيث لا يختلف اثنان في أن الذي ملأ قلبه وروحه وعقله طيلة الحياة الشريفة التي قضاها في عالم الدنيا إلى أن غادرها بقلب هادى‏ء ومطمئن مسافراً إلى مقرّه الأبدي هو حبّه اللامحدود لأهل البيت (عليهم السلام)  فكانوا لسان بيانه وأذنه الواعية وعين بصره وبصيرته، وصوت الحق الذي دوّى في أرجاء المعمورة، وقوته التي انتصر بها على أعدائه وأعداء الله تعالى فهو العاشق لهم إلى حد أنه (قده)  كلما يرفع نداء (يا حسين) تظلّ دموعه تنهمر على خديه بلا اختيار منه رغم أنه لم يذرف الدمع أثناء تلقيه خبر استشهاد نجله السيد مصطفى(قده).

لقد ملأ عشقه لهم (ع)  كل وجوده وأبعاد شخصيته الفذة إلى الحدِّ الذي كان يرى دوماً بالقرب منهم.

يقول أحد المقرّبين منه: كان تصرف الإمام عند زيارته للمشاهد المشرّفة وأضرحة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)  وكأنه كان يرى الإمام المعصوم ناظراً إليه وحاضراً أمام عينيه (79).

بهذه الروح استمد القائد الكبير للثورة الإسلامية العون من الوجود الشريف للمعصومين (ع)  في كل كبيرة وصغيرة بعد الألطاف الإلهية وهكذا خلال الأحداث الخطيرة كان مرجعه الأول هو المعصوم (ع)  يقول أحد معاونيه : « كتب الإمام رسائل إلى علماء المدن وأمرني أن أذهب إلى محافظات خراسان وسيستان وبلوشستان لأوصل رسائله ونداءه إلى العلماء عندما وصلت لتوديعه وسلّمني الرسائل قال :« قبل أن تقابلوا أي شخص تشرّفوا أولاً بزيارة الحرم المطهر لثامن الأئمة علي بن موسى الرضا (ع)  وقولوا له نقلاً عن لساني: قد استجدّ أيها السيد أمر عظيم جداً، ومسألة خطيرة، ونحن اعتبرنا تكليفنا أن نثور ونتحرك، فإن كان ذلك مما يرضيك فأيّدنا» (80).

ج - التعظيم:

لقد كان الإمام (قده)  العارف الحقيقي الواصل إلى كعبة مقصوده يعلم ما يستوجب المقام الشامخ والمنزلة الرفيعة لأهل الولاية الإلهية ال محمد(ص) من تقديس وتكريم واحترام بالغ يفوق العادات المعروفة والأنماط المألوفة بين سائر الناس. لذلك كان (قده)  إذا مرّ على ذكر اسم أحد المعصومين (ع)  أخذته الهيبة حينما يردّده بعزّة وتعظيم كاملين، مع التقدير العالي لأحاديثهم صلوات الله عليهم واتباع مقاصدهم وأفكارهم وعقائدهم وإحياء مناسبات ولادتهم وشهادتهم.

كيف لا وهذا إمامنا الصادق (ع)  كان كلما لهج باسم جده رسول الله(ص) وهو جالس يحني رأسه الشريف إلى مستوى ركبتيه.

والإمام (قده)  الذي لم يذكر أستاذاً من أساتذته الكرام إلا وعقّب بالقول روحي فداه فكيف علاقته مع المعصومين؟!

يذكر لنا أحد المتشرفين بخدمته مدى اهتمامه بتعظيم وإحياء سائر ما يرتبط بأهل البيت (عليهم السلام)  قائلاً : « طوال المدة التي كان خلالها الإمام في النجف الأشرف كان يقيم مجالس العزاء في منزله في جميع ليالي شهادة المعصومين (عليهم السلام)  وفي ذكرى شهادة السيدة الزهراء (عليها السلام) كان يستمر في إقامة المجلس لثلاثة ليالي، وكان بكاؤه مشهوداً في جميع هذه المجالس دون استثناء» (81) بمجرد أن يشرع أحد الإخوة بقراءة مجلس المصيبة يبدأ الإمام بالبكاء بصوت عال وتنهمر قطرات الدمع على خديه كمثل حبّات اللؤلؤ (82).

ومما تجدر الإشارة إليه أن كل الأعباء والعناء الذي عاناه الإمام (قده)  واهتمامه بالأمور السياسية وسائر شؤون البلاد والعباد لم يكن ليمنع أو يحول بينه وبين المحافظة والحرص على إحياء وإظهار مظلومية الأئمة (عليهم السلام) . فنراه في التاسع من شهر محرم يأمر بإقامة مجلس عزاء في باريس بحضور جمع من المراسلين الذين جاؤوا لمقابلته(قده)  قبل ساعة من وقت الظهر (83).

د - الزيارة:

إن المنزلة الخاصة لزيارة التربة المطهرة للمعصومين (عليهم السلام)  والشهداء والصدّيقين في ثقافة الولاية والثورة غير خافية على أحد، وهي مصدر إلهام وتسديد لذوي الإرادات الربانية في الجانبين العلمي والعملي، قد دأب الأنبياء والأولياء العظام، وأئمتنا الأبرار خصوصاً على زيارة المراقد المشرّفة أو من بعيد طيلة حياتهم الشريفة لذلك كانت محافظة الإمام (قده) شديدة في أن لا يمر يوم واحد أثناء وجوده في النجف الأشرف دون زيارة حضرة مولى الموحدين صلوات الله عليه، فمن اليوم الأول الذي وصل فيه إلى النجف وإلى اليوم الذي غادر فيه، كان يأتي كل ليلة بعد حوالي ثلاث ساعات من غروب الشمس في الصيف والشتاء لزيارة حرم الأمير (ع)  ولم يكن ليترك هذا البرنامج أبداً حتى في السنة التي وقع فيها الانقلاب في العراق، وأعلنت الحكومة العسكرية، فإنه في تلك الليلة لم يترك الزيارة أيضاً ولم يعدل عن برنامجه اليومي المقرّر.

يقول السيد مصطفى (قده)  : « في تلك الليلة بحثنا عن الإمام فلم نجده داخل غرفته، فجلنا في أماكن مختلفة من البيت لكننا لم نجده إلى أن صعدنا إلى السطح فرأيناه وقف متوجهاً إلى حرم أمير المؤمنين (ع)  يقرأ الزيارة» (84).

هـ  اداب الزيارة:

كان تشرّف الإمام (قده)  بزيارة حرم أمير المؤمنين (ع)  يحصل وفق اداب خاصة يجدر بنا الالتفات إليها والاستفادة منها، فقد كان لا يدخل قبل الاستئذان حيث يبدأ بقراءة إذن الدخول بكمال الأدب والوقار والتعظيم والإجلال، فإذا انتهى يدخل الحرم المطهّر من الجهة السفلى للضريح المقدس مراعياً ومتقيّداً بأن لا يمر من جانب الرأس الشريف لحضرة الأمير (ع) . وعندما كان يصل إلى مقابل الضريح المشرّف يقرأ بكل إخلاص زيارة (أمين الله) أو زيارة أخرى، ويرجع مجدداً من الجهة السفلى عند قدمي حضرة الأمير (ع)  ويجلس في زاوية يقرأ الزيارة والدعاء ثم يصلي ركعتين وبعدها يترك الحرم مغادراً ببدنه باقياً بروحه مع مراعاة الاداب الخاصة بالخروج (85) هذا ما كان يواظب عليه أثناء وجوده في النجف الأشرف، أما حينما يكون موجوداً في كربلاء كان يقضي أغلب أيام الزيارة في جوار ضريح سيد الشهداء صلوات الله عليه ويقرأ كل يوم زيارة عاشوراء (86).

لم ينقطع توسله بهم صلوات الله عليهم في كل صباح ومساء ولم يشتغل بشي‏ء إلا وكانوا يسكنون في عمق ضميره وأبعاد روحه في كل حركة وسكون. حتى حينما كان يمشي يومياً لمدة ساعتين أثناء سكناه في طهران في الاونة الأخيرة، فإن لسانه لا يتوقف عن ذكرهم طيلة المسافة مع جهد الطريق (87).

من فقه الاسلام

س: قبل أمر سماحتكم الصريح بالنسبة للذهاب إلى الجبهات، قلتم في إحدى المجلات: إنّ على الشباب أن لا يؤذوا والديهم بعدم الإستماع لأوامرهم في هذا المجال ( الذهاب إلى الجبهة ) فهل أنه في الوقت الحالي وبعد أن أصبح ( الذهاب إلى الجبهة ) أكثر إلحاحاً لا زال رأيكم كذلك؟ وهل يحق لبعض الشباب الذهاب إلى الجبهات بناءً على أمر سماحتكم في باب الدفاع من دون الاعتناء برأي ابائهم وأمهاتهم أم لا؟

ج: الأمر مربوط بإحتياجات الجبهة وتفصيل ذلك موكول إلى رأي المسؤولين.

س: عمري 27 سنة، متزوّج وعندي ولدان وشغلي تدريس الدين والقران  في المراحل المتوسطة، وبسبب شوقي الشديد للجبهة وعدم رضا والدتي بذهابي  كمعيل وحيد لها  إلى الجبهة، أصبت بتشويش وقلق وأصبحت أخاف على ديني، ما هو تكليفي الشرعي؟

ج: إذا كانت والدتك تتأذى، ولم يكن الذهاب إلى الجبهة واجباً ومتعيناً عليك فلتراع حالها، والقضية مرتبطة باحتياج الجبهة.

س: أنا شاب في ال17 من عمري ومبتلى بداء الصرع منذ عشرة سنوات فمع التنبه لفتوى الإمام بالوجوب الكفائي في المشاركة في الحرب المفروضة فهل أن مشاركتي واجبة؟ مع التذكر بأن والدي يمنعني  لأجل مرضي  من الذهاب إلى الجبهة؟

ج: إذا كنت وبسبب المرض معذوراً من المشاركة في الجبهة فلست ملزماً.

س: أنا الولد الوحيد في العائلة، الان وبعد أن وجب الذهاب إلى الجبهة والدايّ  يعارضان، طبعاً هما معتقدان بالإسلام والثورة ولكن لأن أمي مصابة بمرض القلب فإنهم يمنعوني من الذهاب، فهل يجوز لي الذهاب من غير الإلتفات إليهم؟

ج: طالما الجبهة تحتاج إلى المقاتلين يجب المشاركة في الجبهة ولا يشترط إذن الوالدين.

خلاصة الدرس

أ - التوسل بأهل بيت العصمة (عليهم السلام)  أحد أسباب التوفيق والنجاح في الدنيا والاخرة.

ب - من أسرار توفيق الإمام الخميني (قده)  علاقته الوطيدة والفريدة بأهل البيت(عليهم السلام)  حتى كان كل وجوده مليئاً بحبهم والارتباط بهم.

ج - الإمام الخميني (قده)  في أحلك ظروف الحرب كان يلجأ إلى الإمام الرضا (ع)  ويطلب منه التأييد لمكانته عند الله تعالى.

د - لم يترك الإمام (قده)  الالتزام بزيارة أهل البيت (عليهم السلام)  طيلة حياته الشريفة.

ه - من اداب زيارته (قده)  لأمير المؤمنين (ع)  في حرمه الشريف: عدم المرور من جهة رأسه الشريف، والدخول إلى الحرم من الجهة السفلى للضريح أي عند قدمي الأمير (ع) ، ولا يدخل الحرم قبل الاستئذان.

أسئلة حول الدرس

1 - تحدث عن أهمية الارتباط بال البيت (عليهم السلام) ؟

2 - ما معنى (من أراد الله بدأ بكم)؟

3 - كيف كانت علاقة الإمام الخميني (قده)  بالمعصومين (عليهم السلام) ؟

4 - تحدث عن عشقه لهم (عليهم السلام) ؟

5 - كيف كان يعظّمهم؟

6 - هل ترك الإمام الخميني (قده)  زيارتهم في حياته؟

7 - ما هي اداب الزيارة التي كان ملتزماً بها؟

8 - ماذا كان يفعل أثناء مشيه يومياً؟

للحفظ

مما جاء في الزيارة الجامعة لال البيت (عليهم السلام)  : « من اتاكم نجا ومن لم يأتكم هلك إلى الله تدعون وعليه تدلون وبه تؤمنون وله تسلّمون وبأمره تعملون وإلى سبيله ترشدون وبقوله تحكمون سعد من والاكم وهلك من عاداكم وخاب من جحدكم وضلّ من فارقكم وفاز من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم..» (88).

للمطالعة

أثر حق محمد واله في المغفرة

روى جابر عن أبي جعفر (ع)  :« أنّ عبداً مكث في النّار يناشد الله سبعين خريفاً وسبعين خريفاً، والخريف سبعون سنة وسبعون سنة، ثم قال (ع) : أنّه سأل الله بحقّ محمد وأهل بيته لما حميتني، قال (ع) : فأوحى الله إلى جبرائيل (ع) : أن اهبط إلى عبدي فأخرجه إليَّ، قال يا رب كيف لي بالهبوط إلى النار؟ قال: إني قد امرها أن تكون عليك برداً وسلاماً، قال: يا رب فما علمي بموضعه؟ قال: إنّه في جب من سجين، قال: فهبط إليه وهو معقول على وجهه بقدومه، قال: قلت: كم لبثت في النار؟ قال: ما أحصي كم تركت فيها خلفاً، قال: فأخرجه إلي، قال: فقال له يا عبدي كم كنت تناشدني في النار؟ قال: ما أحصي يا رب، قال: أما وعزّتي وجلالي لولا ما سألتني به لأطلت هوانك في النار لكنّه حتم حتمته على نفسي: لا يسألني عبد بحقّ محمد وأهل بيته إلا غفرت له ما كان بيني وبينه، فقد غفرت لك اليوم» (89).

 






 

الدرس العاشر : العلامة الطباطبائي (قده) والتواضع الدائم

أ - من عظماء الإسلام:

يقول تعالى :« واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين» (90).

لا شك في أن أحد أهم الصفات وأسماها هو التواضع وبذلك يعلو الإنسان ويسمو كلما تحلّى بهذا الخلق العظيم، والتواضع رأس الحكمة وفيما قاله أمير المؤمنين (ع)  : « فلو أرخص الله في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه ولكنه سبحانه كره إليهم التكابر ورضي لهم التواضع فألصقوا بالأرض خدودهم وعفروا في التراب وجوههم وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين» (91).

ومن أولئك الذين كانوا اية في التواضع إضافة إلى الملكات الأخلاقية والعلمية الأخرى سيدنا العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان أعلى الله مقامه وسوف نسلّط الضوء على هذا الجانب في حياته الشريفة حيث أن العظماء والأولياء يعرفون بجانبين:

الأول: علمهم.

والثاني: عملهم وليست تواريخ الولادة والوفاة والابتداء بالدراسة أو غيرها مما لها دخل في مقصودنا هنا بل محلها في كتب التراجم.

فتعالَ معي لنسمع من تلامذته الذين تربوا على يديه سيرته العطرة التي تفوح مع كل صباح بشذى الإيمان والعرفان.

ب - منذ ثلاثين سنة لم يقل (أنا):

يتحدث عنه أحد المقرّبين :« طوال ثلاثين سنة كان لي فيها شرف الاتصال به لم أسمع منه أبداً كلمة «أنا» وفي المقابل سمعت منه مراراً عبارة «لا أعلم» في الإجابة على الأسئلة.. كان بحر العلم والحكمة المتلاطم الموج يقولها من فرط التواضع بسهولة والملفت أنه بعد ذلك كان يجيب على السؤال على صورة احتمال أو بعبارة « يبدو لي ».

أتذكر أن شخصاً مضي‏ء القلب كان يقول في محضره همساً وعيناه مغرورقتان : « أتعجب كيف أن الأرض تستطيع أن تتحمل ثقل رجال من هذا النوع » (92).

منذ حوالي ثلاثين سنة وأنا على صلة بالعلامة الطباطبائي أشترك في درسه وأستفيد من جلساته الخاصة ليالي الخميس والجمعة بمقدار إمكاني.. لا أتذكر أنه ولو مرة واحدة طوال هذه المدة غضب أو صرخ في وجه طلابه أو أنه أجرى على لسانه كلمة حادة تتضمن إهانة لأحد، كان يدرس بكل هدوء ومتانة ولم يكن ينفعل أبداً وكان سريع الألفة والانسجام مع الأشخاص.. كان ذلك أدبه مع الجميع حتى أصغر الطلاب.. كأن يألفهم وكأنهم من أصدقائه الخلص.. كان يصغي لكلام الجميع ويعطف عليهم.. كان متواضعاً جداً لم أره أبداً يفتخر بنفسه أو يمدحها، لم يكن يبخل بالعلم، كان يقدم أدق المطالب العلمية وبكل بساطة إلى الاخرين مع أنها أحياناً قد تكون من ابتكاراته ودون أن يثني على نفسه ويقول لم يسبقني إليه أحد!

كان حريصاً على بذل العلم لم يكن يترك سؤالاً دون جواب وكان يجيب السائل بمستوى إدراكه كان يقدم المطالب العلمية في عبارات قصيرة ولم يكن يستسيغ العبارات المعقّدة.

ج - تواضعه في المجلس:

يقول تلامذته :« كان هذا الرجل دنْياً من العظمة.. كان يجلس في دار المدرسة على الأرض كأي طالب صغير مبتدى‏ء يأتي إلى المدرسة الفيضية قبيل الغروب وعندما تقام الصلاة يلتحق  كسائر الطلاب  بصلاة المرحوم اية الله السيد محمد تقي الخونساري.

كان على جانب كبير من التواضع والأدب وكان يبذل جهداً كبيراً لحفظ الاداب..

منذ حوالي أربعين سنة وإلى الان لم يُرَ في مجلس متكئاً بل يجلس دائماً في مقابل الضيوف مؤدباً مبتعداً قليلاً عن الحائط بحيث يكون مجلسه دون مجلس الضيف كنت تلميذه وكنت أذهب إلى منزله كثيراً وكنت أريد أن يكون مجلسي دونه مراعاةً للأدب ولكن هيهات كان يقوم ويقول: بناءً على هذا فيجب أن نجلس نحن في الباب أو خارج الغرفة.

قبل سنين عديدة كنت في مشهد وذهبت لزيارته وجدته جالساً في الغرفة على فراش وكان الطبيب منعه من الجلوس على الأرض بسبب مرض القلب» فقام عن الفراش ودعاني للجلوس عليه فامتنعت.. وبقينا فترة واقفين إلى أن قال أخيراً.

«إجلس لأقول لك جملة..» (93).

د - لا يحب أن ينادى (أستاذ):

لم يكن يهتم بكثرة الطلاب وقلتهم كان أحياناً يدرّس اثنين أو ثلاثة.. ولم يكن يحرم غير الطلاب من الاستفادة منه فكل شخص وفي أي زي وسن كان يذهب إليه يمكنه أن يستفيد منه.. وقد استفاد من علمه كثيرون، وكانت تأتيه رسائل من داخل إيران وخارجها تتضمن أسئلة علمية ودينية وكان يكتب جواب الرسائل بخط يده.

كان يخاطب أحياناً بلفظة الأستاذ فيقول: أنا لا أحب هذا التعبير نحن اجتمعنا هنا لنتعاون ونفكر معاً للحصول على حقائق الإسلام ومعارفه.

كان يحب المشي.. وغالباً ما كان يذهب إلى المجالس المتنقلة ماشياً وفي الطريق كان أيضاً يجيب على الأسئلة العلمية.

ولم تكن أعماله العلمية في مستوى واحد فمن جهة كان يكتب في التفسير (للميزان) أرقى المطالب ويشرح للأفاضل الطلاب وأساتذة الجامعات والعلماء الأجانب مثل البروفسور «هنري كوربون» أدق المسائل الفلسفية.. ومن جهة أخرى كان يكتب في أمور الدين وحقائقه بمستوى عادي بل كان يكتب حتى لطلاب المدارس ويجيب على رسائلهم.

لقد كان العلامة الطباطبائي (قده)  اية في التواضع والزهد كما في العلم والعرفان، وهو مجدّد بارع خلّف إرثاً غنياً بالعطاء الفكري الأصيل وها هي اثاره العلمية وسيرته النورانية مناهل للمعرفة ومشاعل للهداية. فرضوان الله عليه في جنان الخالدين.

من فقه الاسلام

س: أنا في ال20 من عمري، وددت كثيراً الاشتراك في الحرب ولا أزال، ولكن أبي وأمي  كوني ابنهما الوحيد  يعارضان ذهابي إلى الجبهة، طبعاً يمكنني الذهاب بالقوة ومن دون إذنهما، ولكني فكرت في احتمال أن يكون هناك أي اشكال شرعي في هذا التصرف وأن أُسأل عن ذلك يوم القيامة! لطفاً أوضحوا لي تكليفي؟

ج: طالما تحتاج الجبهة إلى المقاتلين، لا يشترط إذن الوالدين.

س: ذهبت إلى الطبيب وبعد معاينتي قال :« أنت لا يمكنك الذهاب إلى الجبهة». في هذه الحال ما حكم ذهابي  أنا ابن ال16 عام  إلى الجبهة؟

ج: لا يجب على المريض وغير القادر الذهاب إلى الجبهة.

س: أنا أعمل في أحد المصانع في مجال التصنيع، وهدفي هو الابتكار والمساعدة على الصناعات الوطنية، ولقد كان عندي من قبل مشروع للاستفادة من الطاقة الشمسيّة، ولم يتم بعد، فهل تقتضي المصلحة بأن أترك عملي وأذهب إلى الجبهة؟

ج: طالما أن الجبهة تحتاج إلى المقاتلين يجب المشاركة في الجبهة.

س: ما هي وظيفة  من ليس عنده قدرة عسكرية في الأمور الحربية؟

ج: يمكنه أن يقوم بما يقدر عليه خلف الجبهة.

س: ما هو التكليف لجهة الذهاب  إلى الجبهة بالنسبة للأفراد الذين يشكلون ضرورة للمجتمع الحالي كمسؤولي الثقافة في المساجد والمؤسسات الإسلامية أو تعبئة المستضعفين وبشكل عام الذين لديهم اللياقة والخبرة الجيدة لقيادة المجتمع في المستقبل، وذلك بعد صدور حكم الإمام بالاهتمام بالجبهة وإذا كان هذا الأمر يؤدي إلى ضرر بحياة الوالدين أو المعاش أو الوضع الاقتصادي للعائلة فهل يبقى  الحكم في قوته؟

ج: ما دامت الجبهة بحاجة للمقاتلين يجب الحضور في الجبهة، ولا يشترط إذن الوالدين.

خلاصة الدرس

أ - التواضع رأس الحكمة وأحد أهم الصفات الحميدة وأسماها وكلما تواضع الإنسان رفعه الله تعالى وحبّب إليه خلقه.

ب - عرف العلامة الطباطبائي (قده)  بشدة تواضعه طيلة حياته التي ملئت بالعلم والمعرفة والعرفان والفضائل إلى حد أنه طيلة ثلاثين سنة لم يسمع منه كلمة (أنا).

ج- كان شديد المراعاة والاحترام لضيفه إلى حد لو قدر أن يجلس في الباب لفعل ويختار دائماً مجلساً له دون مجلس ضيفه.

د - لم تكن الألقاب محل اهتمامه بل كان لا يرغب أن ينادى ب(أستاذ).

ه - يعتبر واحداً من المجدّدين في هذا العصر فقد حاز على المرتبة الأولى في بعض العلوم الإسلامية وخلّف إرثاً علمياً فريداً في مجاله.

أسئلة حول الدرس

1 - تحدث عن التواضع؟

2 - ماذا تعرف عن تواضع العلامة الطباطبائي؟

3 - كيف كانت علاقته بتلامذته؟

4 - ما هي الكلمة التي لم تسمع منه طيلة ثلاثين عاماً؟

5 - كيف كان مجلسه؟

6 - ماهي الكلمة التي لا يرغب أن ينادى بها؟

7 - ما الذي يدعو إلى التكبر برأيك؟

8 - كيف يتخلص الإنسان من افة التكبر؟

للحفظ

جاء في نهج البلاغة على لسان أمير المؤمنين (ع)  : « حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات تسكيناً لأطرافهم وتخشيعاً لأبصارهم وتذليلاً لنفوسهم، وتخفيضاً لقلوبهم وإذهاباً للخيلاء عنهم، ولما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً» (94).

للمطالعة

تواضع النجاشي

عن أبي عبد الله (ع)  قال : « أرسل النّجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه فدخلوا عليه، وهو في بيتٍ له جالس على التراب، وعليه خلقان الثياب، قال: فقال جعفر (ع) : فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما بنا وتغيّر وجوهنا، قال: الحمد لله الّذي نصر محمداً وأقرّ عينه، ألا أُبشّركم؟ فقلت: بلى أيُّها الملك، فقال: إنَّه جاء في الساعة من نحو أرضكم عينٌ من عيوني هناك فأخبرني أنّ الله عزّ وجلّ قد نصر نبيّه محمداً وأهلك عدوّه، وأُسر فلان وفلان وفلان التقوا بوادٍ يقال له (بدر)...

فقال له جعفر: أيها الملك فما لي أَراك جالساً على التراب وعليك هذه الخلقان، فقال: يا جعفر إنّا نجد فيما أنزل الله على عيسى أنَّ من حقّ الله على عباده أن يحدثوا له تواضعاً عندما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله تعالى لي نعمة بمحمد(ص)، أحدثت لله هذا التواضع، فلما بلغ النّبي(ص) قال لأصحابه: إنّ الصدقة تزيد صاحبها كثرة، فتصدقوا يرحمكم الله، وإنَّ التواضع يزيد صاحبه رفعة، فتواضعوا يرحمكم الله، وإنَّ العفو يزيد صاحبه عزّاً فاعفوا يعزّكم الله» (95).

قال أمير المؤمنين (ع)  :« زينة الشريف التواضع ».

 






 

الدرس الحادي عشر : الشهيد مطهري (قده) وعشق العبادة

أ - من عظماء الإسلام:

إن الإنسان المؤمن يدفعه إيمانه نحو العمل الدائم لاخرته ويدعوه للاتصال بالخالق سبحانه بعبادته في اناء الليل وأطراف النهار، فلا بد له من الخلوة بمعشوقه الذي لا يموت وما أجمل أن يحوّل ظلمة الليل نهاراً يشعّ بالأنوار أنوار الهداية والإنابة إلى الله عز وجل حينما ينام الاخرون يفترش مصلاّه ويقف في جوف الليل مردّداً :« وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض».

هذا دأب الأنبياء والأولياء وبه تحيا قلوب الصالحين ومن أولئك الذين التزموا بالتهجد طيلة حياتهم حتى ارتفعوا شهداء شيخنا الشهيد مطهري رضوان الله عليه كما هو شأن الأبرار والأخيار أن يعشقوا العبادة وتكون أهم الأمور في حياتهم.

وقد منّ الله تعالى على الشهيد مطهري بوالدٍ ترك بليغ الأثر في نفسه وكان التزامه الدائم بقيام الليل خير درس لولده حتى تحدث عنه الشهيد مطهري في حياته كنموذج به يقتدى.

فلنصغ مسامع قلوبنا إلى الشهيد مطهري وهو يحدثنا عن لذة العبادة وما تعنيه وأنها لا تقاس بلذائذ المادة في عالم الدنيا، قبل أن نتحدث عنه.

ب - لذّة العبادة الإلهية:

يقول الشهيد مطهري(قده) :

«هناك سلسلة لذائذ معنوية، تنمي معنوياتنا، وتسمو بها، صلاة الليل لها عند من هو من أهل التهجد، وصلاة الليل، ومن هو من الصادقين، والصابرين، والمستغفرين بالأسحار، لذة وبهجة... تلك اللذة التي يشعر بها مصلٍّ حقيقي، وواقعي، لصلاة الليل، من صلاة ليلة من قوله «أستغفر الله ربي وأتوب إليه» من قوله «العفو العفو» وذكر أربعين مؤمناً على الأقل والدعاء لهم.. اللذة التي يشعر بها من قوله «يا رب يا رب» لا يمكن أبداً أن يشعر بها، شخص بطال يتسكع في علب الليل... لذة صلاة الليل أعمق بكثير، أقوى.. أكثر نشاطاً.. ولكن إذا أغرقنا أنفسنا في لذة الدنيا المادية.. مثلاً نتحلق أول الليل حول بعضنا... ونأخذ بالحديث والضحك.. ولنفترض أننا لم نغتب لأن ذلك حرام.. واقتصرنا فقط على المزاح المباح.. وبعدها توضع المائدة.. ونأكل حتى التخمة، بحيث يصبح حتى التنفس صعباً علينا.. بعدها نسقط كالموتى في فراشنا.. هل نستطيع انذاك أن نوفق للاستيقاظ قبل طلوع الفجر بساعتين ونناجي من أعماق الروح «يا رب، يا رب» أصلاً لن نستيقظ..

أقسم بالله، أن اللذة التي يشعر بها المؤمن عندما يستيقظ في ذلك الوقت في الليل، ويقع نظره على السماء المليئة بالنجوم ويقرأ ايات اخر سورة ال عمران التي هي صوت الوجود المنبعث من قلب الوجود... ويتحد صوته  بقراءتها  مع صوت الوجود  هذه اللذة  تعادل عمراً من اللذة المادية في هذه الدنيا..

ج - براءة من النار:

ينقل لنا أحد أصدقائه مدى اهتمامه في الحث على التهجد فيقول : « أذكر أنه في أوائل تعارفنا.. كان ملتزماً بصلاة الليل، وكان يحثني عليها وكنت أتملص من ذلك بحجة أن ماء حوض المدرسة مالح وغير نظيف ومضر لعيني.. إلى أن رأيت ذات ليلة في النوم أني نائم وشخص يوقظني قائلاً: أنا عثمان بن حنيف ممثل أمير المؤمنين علي (ع)  يأمرك الإمام أن تنهض وتصلي صلاة الليل وهذه الرسالة أرسلها (ع)  إليك.. كان مكتوباً في تلك الرسالة التي كان حجمها صغيراً بخط أخضر «هذه براءة لك من النار» وفي عالم النوم جلست متحيراً مفكراً بالفاصل الزمني بين عصر الإمام (ع)  وعصرنا وأثناء جلوسي في النوم متحيراً أيقظني الشهيد مطهري وبيده إناء ماء قائلاً: أحضرت هذا الماء من النهر، قم وصلِّ صلاة الليل ولا تبحث عن عذر» (96).

د - بكاء في منزل السيد القائد:

يقول سماحة السيد القائد دام ظله :

«عندما كان الشهيد مطهري يأتي إلى مشهد كان أحياناً ينزل في بيتنا.. الغرفة التي كان ينام فيها يفصلها عن الغرفة التي كنت أنام فيها باب واحد.. كان ملتزماً دائماً بقراءة القران قبل النوم.. وقد سمعت صوته أثناء التهجد وصلاة الليل  كان يبكي  طبعاً كثيرون هم الذين يصلون صلاة الليل، أما مصلو صلاة الليل بتلك الحالة من البكاء فهم قلة... فيما بعد سمعنا من أصدقائه القدامى أنه كان منذ أيام دراسته يصلي صلاة الليل ومن أهل التهجد».

هـ  ساعة التهجد وليلة الشهادة:

يقول ابن الشهيد مطهري رحمه الله في معرض الحديث عن ليلة استشهاد والده:

«في تلك الليلة التي سمعنا فيها بنبأ اغتياله، بقينا مستيقظين حتى الصباح، والساعة الثانية والنصف رن جرس الساعة التي كانت توقظه كل ليلة على العادة لصلاة الليل. إلا أنه لم يعد على قيد الحياة. كان قد صلى صلاة الليل مضمخاً بدمه الطاهر قبل الموعد المقرر في ظلمة الشارع».

وهكذا ارتفع المطهري إلى جنان الخلد مضرجاً بدمائه الطاهرة شهيداً ليكتب في ديوان العلماء الشهداء ويا لها من مكانة عظيمة بعد أن قضى عمره الشريف يدأب على قيام الليالي المظلمة والبكاء والمناجاة في خلوات السحر وقراءة القران والالتحاق بأولياء الله تعالى، مع منزلة علمية جعلته من عباقرة الإسلام الذين قلّ نظيرهم.

وها هي مؤلفاته الوافرة وخدماته العلمية الجليلة خير زاد وتركته يوصينا الإمام الخميني(قده)  بالاستفادة منها بعد أن نال صاحبها سعادة الشهادة.

من فقه الاسلام

س: أنا طالب علوم دينية موجود في الجبهة، هل يجب عليّ البقاء في حين  أن أيام الدرس قد بدأت وأغلب المحصلين يذهبون إلى المدارس؟

ج: على فرض أنك موجود في الجبهة عليك العمل بحسب مقررات الجبهة.

س: بحسب الأمر بالوجوب الكفائي بالنسبة لمسارعة الشباب إلى الجبهة، هل أن تحصيل العلوم الدينية أرجح أم قتال الكفار في الجبهة وفي صورة أرجحية الذهاب إلى الجبهة فهل يجوز ايذاء الأب والأم؟

ج: طالما أن الجبهة محتاجة إلى الدعم المادي أو المعنوي ولم يتم الاعلان عن الكفاية من قبل المسؤولين فإن المشاركة في جبهات الدفاع واجب ومقدم ولا يشترط رضى الوالدين وعلى طلاب العلوم الدينية المحترمين مع الاستطاعة رفع الحاجات المعنوية في الجبهة والإرشاد.

س: في أي صورة للمشاركة في الجبهة يلزم تحصيل رضى الأب والأم؟

ج: في الأوقات التي لا تكون المشاركة في الجبهة واجبة على المكلف ولا يوجب ذهابه ايذاء الوالدين.

س: شاب تحت عيالة أبيه وأمه، هل يمكنه الذهاب إلى الجبهة بدون رضاهما أم لا؟ وفي صورة عدم رضاهما لو ذهب واستشهد هل يقبل اللَّه تعالى ذلك أم لا؟

ج: إذا أراد الذهاب بشكل متطوع ولم يكن واجبه ذلك بحسب المقرارات فليحصّل رضا والديه وفي كل الصور يكون شهيداً.

خلاصة الدرس

أ - دأب الأنبياء والصالحين أن يعشقوا العبادة ويأنسوا بقيام الليل وإحيائه بالتهجد والتوجه والانقطاع إلى الخالق تعالى.

ب - من عشاق العبادة والتهجد الشهيد مطهري الذي هو أحد تلامذة الإمام الخميني(قده)  ولم يترك صلاة الليل طوال عمره.

ج - إن لذة العبادة المعنوية التي يشعر بها المؤمن لا تقاس وتعادل بأي لذة مادية في الدنيا.

د - كان لوالد الشهيد مطهري (قده)  الدور المؤثر في تربيته الروحية كما يحدثنا نفسه قبل شهادته حيث كان والده من أولئك المثابرين على التعبد والتهجد.

ه - من الجوانب المضيئة في شخصيته (قده)  أنه مهتم إلى حد كبير بأن يلتزم أصدقاؤه بصلاة الليل ويدعوهم لذلك ويقطع حججهم إذا أرادوا التملّص.

و - يعتبر المطهري (قده)  أحد عباقرة الإسلام الذين حملوا فكره الأصيل وعملوا على نشر ثقافته العالية.

أسئلة حول الدرس

1 - تحدّث عن أهمية العبادة؟

2 - كيف تصبح من عشّاق العبادة؟

3 - ماذا يعني التهجد في الأسحار؟

4 - ماذا تعرف عن الشهيد مطهري(قده)  في هذا الجانب؟

5 - ما دور الإمام الخميني (قده)  في بناء شخصية المطهري (قده) ؟

6 - كيف كان والد الشهيد مطهري؟

7  ماذا قال سماحة السيد القائد عن عبادة المطهري (قده) ؟

8 - أين كان اخر تهجد له؟

9 - كيف كانت سيرته مع أصدقائه؟

للحفظ

فيما روي عن مولانا السجّاد (ع)  أنه سئل:

« ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجهاً؟! قال: لأنهم خلوا بالله فكساهم الله من نوره» (97).

وفي الحديث :« إن البيوت التي يصلى فيها بالليل ويتلى فيها القران تضي‏ء لأهل السماء كما تضي‏ء نجوم السماء لأهل الأرض » (98).

للمطالعة

ضمان الجنَّة

عن هشام، عن أبي عبد الله (ع)  قال : « إنَّ قوماً أتوا رسول الله (ص)، فقالوا: يا رسول الله إِضمن لنا على ربّك الجنّة، قال: على أن تعينوني بطول السُّجود، قالوا: نعم، يا رسولَ الله، فضمن لهم الجنة، فبلغ ذلك قوماً من الأَنصار. قال: فأتوه، فقالوا: يا رسول الله إِضمن لنا على ربّك الجنة. قال: على أَن لا تسألوا أحداً شيئاً، قالوا: نعم يا رسول الله. فضمن لهم الجنة، وكان الرجل منهم يسقط سوطه وهو على دابته، فينزل حتى يتناوله كراهيَّة أن يسأل أحداً شيئاً، وإِن كان الرجل لينقطع شسعه [99) فيكره أن يطلب من أحدٍ شسعاً» (100).

ولو اتبع المسلمون هذه التعاليم من إطالة السجود وعدم السّؤال من أحدٍ، والتوجّه بحوائجهم إلى الله جلّ شأنه لسُعدوا في الدنيا والاخرة.

 






 

الدرس الثاني عشر : الشهيد الصدر (قده) ومعالم مدرسته

أ - من عظماء الإسلام:

الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قده)  علم من أعلام الهداية وشمس ساطعة بأنوار المعارف والعلوم حباه اللَّه تعالى وخصّه بخصائص ندر وجودها في غيره سواء في حقول العلم أو مدارج الأخلاق أو ساحات الجهاد والوقوف بوجه الظالمين.

فكلما نظرت إليه وقرأت تاريخه وأبحرت في سيرة حياته وجدت مشروع الإمام الخميني (قده)  حاضراً فيه مجسداً في كل تفاصيل وجوده فإن كان هناك عالم يستحق أن يحمل اسم (الخميني الثاني) في زمن حياة السيد الشهيد (قده)  فهو ليس غيره وهكذا كان المأمول والمنتظر منه.

وهو الذي ارتقى في إخلاصه إلى حدٍ يوجب عليك الانحناء أمام عظمة شخصيته.

وما الحديث عنه إلا عبارة عن جزء من الوفاء له ولأمثاله من علمائنا المقدسين الذين استنارت بعلومهم سماء المعرفة والعلم وعمرت بأعمالهم وفضائلهم ميادين العمل والجهاد على مدى الأزمان والعصور.

وها هي الافاق سطّرت اسمه حيث ملأ أرجاءها بما امتازت به حياته في كل محطاتها وتفاصيلها بترجمة الرسالة الإلهية التي حملها في كل مفردة من مفردات العمر ابتداءً من شؤونه البيتية ومروراً بالمرجعية العامة وقيادة المظلومين وانتهاءً بوسام الشهادة فكان القدوة التي طالما اشتاق وتحرّق للانطواء تحت لوائها أهل الحق والأباة والأحرار.

ب - نشأته ونبوغه:

نشأ السيد الصدر (قده)  في النجف الأشرف ولم يكتمل له من العمر عشرون سنة حتى بلغ درجة الاجتهاد.

امتاز الإمام الشهيد منذ صباه مع عبقريته الفذة وذكائه المفرط بالجرأة والشجاعة الأدبية.

تفوَّق الإمام الشهيد (قده)  على أقرانه فصرف إليه أنظار معلميه ورفاقه بل اشتهر اسمه خارج المدرسة ليكون المثل والقدوة وقد حال خلقه الرفيع وهدوءه ووداعته وودّه دون أن يبغضه أحد ويظهر له العداوة.

ولشدة ذكائه كان كثيراً ما يُشكل على معلميه بشكلٍ لا يتصور أنه يصدر من طفل في المرحلة الابتدائية بل في صفوفها الأولى، حتى أنه أشكل يوماً على معلم التربية الإسلامية الذي أثبت وجود الخالق بأدلة قرانية فقط فقال له الإمام الصدر (قده) : إن هذه الأدلة لا تلزم إلا من امن بالقران فتصور أنني لا أؤمن بالقران.

ج - أخلاقية الأبوّة:

كان السيد الشهيد قلباً واسعاً يحتضن الجميع ويحمل همّ الجميع ويتفقد الجميع ويخدم الجميع، ويتحسس الام الجميع...

من مواقفه المسجّلة في هذا السياق، أنَّه كان يُقدِّم أفضل ما لديه من طعام إلى خادمه بحيث كان المقربون يغبطون هذا (الخادم الأخ ) على حظوته في خدمة هذا العالم الرباني الجليل ويتمنى الكثيرون أن يكونوا مكانه في خدمته (رضي اللَّه عنه).

في إحدى المرات جاءه أحد أفراد الأمن البعثي معتذراً، وكان هو الذي كبّل يديه عند اعتقاله، فما كان من جواب السيد الشهيد إلاّ أن قال له :« إن الابن قد يُسي‏ء، ولكنّ الأب يجب أن يبقى أباً لأولاده، وتبقى أبوّته محفوظة لهم».

كان يُعطي قسطاً كبيراً من وقته الثمين لكلّ أصناف الناس، حتى للأطفال الصغار، وشوهد يوماً وهو يتحدّث إلى طفلٍ لم يتجاوز الثالثة عشرة أكثر من ساعتين في المسجد.

وخلاصة مشكلة هذا الطفل الشابّ أنه كان يعاني من معارضة والديه له لتديّنه والتزامه وعدم تديّنهما أو التزامهما، وكان السيد يُشير إليه بأفضل الطرق على برّهما والتعامل معهما، ويحثّه على الاستقامة والثبات لعلّ اللَّه تعالى يكتب على يديه هدايتهما.

د - شجاعة الموقف:

أما شجاعته فهي مما ورثه الإمام الشهيد (قده)  عن أجداده الطاهرين (ع)  فتجده لا يعبأ في مقارعة الظالمين بقسوتهم وشدة بطشهم وفتكهم ولا يخاف ما يؤول إليه مصيره ما دام ذلك في ذات اللَّه وفي مرضاته وفي سبيل اعلاء كلمته ففي الظروف الحرجة التي تَعُزُّ فيها النفس يبادر السيد الصدر للتضحية ويسترخص النفس، وفي اليوم الذي تبلغ القلوب الحناجر ويلوذ الجميع بالصمت مخافة بطش الحاكمين يقف الشهيد مستنكراً الظلم ويتحدى جلاوزة الظالمين، فيوم كان المدّ الأحمر يغزو الشارع العراقي يفتك بكل من يعارض يتصدى الشهيد الصدر (قده)  للردّ على الأفكار الالحادية بكل موضوعية وفي الوقت الذي يخشى أن يصادر الكتاب وهو في طريقه إلى المطبعة.

ولما طُلب من السيد الشهيد (قده)  إدانة الثورة الإسلامية والتعرض بسوء لشخص قائدها الإمام الخميني (قده)  قال السيد الشهيد مخاطباً ضابط الأمن «لقد كان هدفي وأمنيتي في حياتي تأسيس حكومة إسلامية والان وقد تأسست في إيران وتحققت أمنيتي فكيف أقول شيئاً ضدها؟».

وعندما قال له الضابط بأنه سيُعدم قال له السيد الشهيد :« إذا كنت مأموراً بتنفيذ حكم الاعدام فنفذه الان وأنا انتظر الاعدام منذ فترة والشهادة طريق ابائي وأجدادي فما كان من ضابط الأمن إلا أن بكى وقبَّل يد السيد الشهيد».

هـ - معالم مدرسته:

كان الشهيد (قده)  طموحاً بعيد النظر، قوي العزيمة، وهذا ما جعله مدرسة خاصة متميزة قل نظيرها.

وإن جلّ كتابات وبحوث الإمام الشهيد (قده)  وليدة الحاجة والضرورة فهو يعنى بما يفتقر إليه المجتمع من الغذاء الفكري فيبادر إلى اشباع هذه الحاجة.

وكان السيد الشهيد (قده)  مجدداً في طريقة التفكير، فهو لا يأخذ عمن سبقه من العلماء، بل يعمل على الإضافة إليه، وهو مجدد في المنهجية، كذلك وشديد الإحاطة بكافة العلوم ودقيق في تناولها، ويتميز بشموليته وجرأته في المجالين العلمي والعملي، وقد تميزت مدرسته بتخريج مجموعة مميزة من العلماء الأفذاذ الذين لا يزالون يغنون الحوزة بأبحاثهم.

و - علاقة الشهيد الصدر بالإمام الخميني (قده)  والثورة الإسلامية:

ترجع صلة الإمام الشهيد بالثورة الإسلامية في إيران إلى 16 سنة قبل انتصارها.

ينقل تلاميذه المقربون نماذج من العلاقة بينه وبين قائد الثورة الإمام الخميني (قده)  وتبادل وجهات النظر معه في مراحل مختلفة من هذه الثورة المباركة.

وواكب الشهيد السعيد أحداث الثورة بعد الانتصار واستلام السلطة، وأرسل إلى قيادة الثورة ستة بحوث من الفقه السياسي التطبيقي الحديث الذي تحتاجه التجربة الإسلامية الوليدة. وكان البحث الأول حول مشروع دستور الجمهورية الإسلامية الذي استُفيد منه لصالح الدستور الحالي والمطبّق في إيران.

وأرسل إلى الإمام الخميني (قده)  رسالة تجسِّد علاقته به :« ... تلقيت برقيتكم الكريمة التي جسدت أبوتكم ورعايتكم الروحية للنجف الأشرف الذي لا يزال منذ فارقكم يعيش انتصاراتكم العظيمة، وإني استمد من توجيهكم الشريف نفحة روحية، كما أشعر بعمق المسؤولية في الحفاظ على الكيان العلمي للنجف الأشرف وأود أن أعبر لكم بهذه المناسبة عن تحيات الملايين من المسلمين والمؤمنين في عراقنا العزيز الذي وجد في نور الإسلام الذي أشرق من جديد على يدكم ضوءاً هادياً للعالم كله».

ز - السيد الصدر يرتفع شهيداً:

في السنوات الأخيرة صعّد السيد الصدر من نشاطه في صفوف أبناء الأمة الإسلامية خُصوصاً الشباب المثقف والجامعي وانتشر وكلاؤه في معظم المناطق بالشكل الذي تسمح به الظروف الداخلية لشؤون المرجعية وهذا ما سبَّب القلق المتزايد للنظام تجاه السيد الصدر فكثّفت عمليات المراقبة لداره والمرتبطين به. وقام النظام بعمليات اعتقال واسعة شملت الالاف من أبناء الشعب العراقي واختنق العراق بالإرهاب اللامتناهي وطاردت السلطات كل من عرف عنه التدين واعتقل السيد الصدر (قده) ، وظل القلق يساور النظام الحاكم في بغداد ثم تم الافراج عنه ورفع الإقامة الجبرية لأسبوع، وفي 1980  4  5 تمّ استدعاؤه إلى بغداد لينفذ فيه حكم الاعدام وذلك في الثامن أو التاسع من شهر نيسان 1980م مع أخته الفاضلة الشهيدة بنت الهدى دون محاكمة ولو صورية ودون تعليق رسمي أو شبه رسمي ثم تعود جنازتهما ليضجع الشهيد الصدر وأخته الطاهرة ويبقى العراق بعده يعاني الالام والمحن.

وقد عبّر الإمام الخميني (قده)  عن تأثره فقال :« لا عجب لشهادة هؤلاء العظماء، الذين أمضوا عمراً من الجهاد في سبيل الأهداف الإسلامية،... ولا عجب أن ينال الشهادة المرحوم السيد الصدر وشقيقته المظلومة، وها أنا أعلن الحداد العام لمدة ثلاثة أيام... وذلك تكريماً لهذه الشخصية العلمية، ولهذا المجاهد الذي كان من مفاخر الحوزات العلمية، ومن مراجع ومفكري المسلمين، وأرجو اللَّه تعالى أن يعوّضنا عن هذه الخسارة الكبرى، والعظيمة، عزّ الإسلام والمسلمين...».

هكذا شاءت إرادة اللَّه تعالى أن تُسقى شجرة الإسلام بدم هذا المفكر الثائر، ليبقى هذا الدم الزاكي، عنواناً عظيماً لكل عشاق الحق والعدل والحرية، ورمزاً ساطعاً لاستقطاب كلّ الأحرار والثوار في طريق الثورة الطويل وعلى درب الإسلام المحمدي الأصيل...

من فقه الاسلام

س: ما حكم ذهاب الأخوات المسعفات إلى الجبهة حال كون وجودهن مفيداً مع عدم رضى الوالدين؟

ج: إذا كان يوجب أذية الأب والأم فلا بد من تحصيل رضاهما.

س: أنا شاب في ال22 من عمري، على علاقة وثيقة مع الذهاب إلى الجبهة ولكن لي أب في ال80 من عمره، أصيب بنوبة قلبية منذ 12 سنة وأصابه الفلج في أحد طرفي جسده، ولا يستطيع المشي وكل حركته مربوطة بي وذلك لجهة كوني الابن الذكر الوحيد، وإذا غبت يوماً فإنه لا أحد يقوم بأعماله، لطفاً بينوا لي تكليفي لجهة ذهابي إلى الجبهة أو بقائي في البيت والمساعدة لوالدي؟

ج: إذا لم يجب عليك الذهاب إلى الجبهة بحسب المقررات فلتساعد والدك.

س: بالنسبة لمحصلي العلوم الدينية والمشتغلين بالعلوم العصرية أو بعمل اخر لخدمة الجمهورية الإسلامية، هل يعتبر الذهاب إلى الجبهة مقدماً بالنسبة إليهم أم إنهم يتابعون أعمالهم؟

ج: في الوقت الحاضر على جميع القادرين على الذهاب إلى الجبهة مراجعة المسؤولين. فإذا شخصوا حاجة الجبهة إليهم يجب الذهاب إلى الجبهة وهو مقدم على أي عمل اخر.

خلاصة الدرس

أ - الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قده)  علم من أعلام الهداية وشمس ساطعة بأنوار الهداية والولاية، حباه اللَّه تعالى بخصائص فريدة في العلم والعمل والقيادة والشهادة.

ب - يعتبر (قده)  نابغة من نوابغ العالم ومجدّداً فاتحاً في العلوم الإسلامية وغيرها.

ج - يمتاز بأخلاقية أبوية لم تنفك عنه مع أكثر الناس إساءة له لدى اعتقاله.

د - أضاء سماء المعرفة والعلم في الفقه وأصوله وتفسير القران والفلسفة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والمنطق وسائر العلوم التي أشبعها بياناً ونظريات جديدة.

ه - كان للإمام الخميني (قده)  في نفسه مكانة عظيمة إلى أنه تمنى أن يكون وكيلاً صغيراً للإمام الخميني  (رض) في قرية ما. وقال: ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام.

أسئلة حول الدرس

1 - كيف كانت نشأة السيد الشهيد (قده) ؟

2 - تحدث عن أخلاقه الأبوية؟

3 - ماذا تعرف عن شجاعته في الموقف؟

4 - بماذا تميّزت حياته العلمية؟

5 - ما هو أهم معالم مدرسته؟

6-  ما هي العلوم التي جدّد فيها؟

7 - كيف كانت علاقته بالإمام الخميني (قده) ؟

8 - تحدث عن ظروف شهادته (قده) ؟

للحفظ

عن النبي (ص): قال الله عز وجل : « لا أطلع على قلب عبد فأعلم منه حب الإخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته» (101).

للمطالعة

خمس في خمس

عن الإمام الرّضا (ع)  قال:

«أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائه إذا أصبحت، فأول شي‏ءٍ يستقبلك فكله، والثّاني فاكتمه، والثالث فاقبله، والرّابع فلا تؤيسه، والخامس فاهرب منه.

قال: فلمّا أَصبح مضى فاستقبله جبل أسود، عظيم، فوقف، وقال: أمرني ربّي عزّ وجلّ أن اكل هذا، وبقي متحيّراً، ثمّ رجع إلى نفسه فقال: إنَّ ربّي جلّ جلاله لا يأمرني إلا بما أُطيق، فمشى إليه ليأكله فلّما دنا منه صَغُر حتى انتهى إليه فوجده لقمةً فأكلها، فوجدها أطيب شي‏ء أكله، ثمّ مضى فوجد طستاً من ذهب، قال: أمرني ربّي أن أكتم هذا فحفر له، وجعله فيه، وألقى عليه التراب، ثمَّ مضى فإذا الطست قد ظهر، قال: قد فعلت ما أَمرني ربّي عزّ وجلّ، فمضى فإذا هو بطير وخلفه بازي فطاف الطير حوله فقال: أمرني ربّي عزّ وجلّ أن أقبل هذا ففتح كمّه فدخل الطير فيه، فقال له البازي: أخذت صيدي وأنا خلفه منذ أيّام، فقال: إنّ ربّي عزّ وجلّ أمرني أن لا أويس هذا، فقطع من فخذه قطعة فألقاها إليه ثم مضى، فلمّا مضى إذا هو بلحم ميتة منتن مدوّد، فقال: أمرني ربّي أن أهرب من هذا فهرب منه ورجع.

ورأى في المنام كأنّه قد قيل له: إِنَّك قد فعلت ما أمرت به، فهل تدري ماذا كان؟ قال: لا، قيل له: أمّا الجبل فهو الغضب، إنّ العبد إذا غضب لم ير نفسه وجهل قدره من عظم الغضب، فإذا حفظ نفسه وعرف قدره وسكن غضبه، كانت عاقبته كاللقمة الطيّبة الّتي أكلها، وأمّا الطست فهو العمل الصالح إذا كتمه العبد وأخفاه أبى الله عزّ وجلّ إلا أن يظهره ليزيّنه به، مع ما يدّخر له من ثواب الاخرة، وأمّا الطير فهو الرجل الذي يأتيك بنصيحة فاقبله واقبل نصيحته، فأمّا البازيّ فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه، وأمّا اللحم المنتن فهي الغيبة فاهرب منها» (102).

 





هامش


(1)   بحار الأنوار، ج6، ص4.

(2)   أعيان الشيعة، 319  16، نقلاً عن أسد الغابة.

(3)   شرح النهج، 257  8.

(4)   الغدير، 293  8.

(5)   أعيان الشيعة، 364  16، عن أمالي الطوسي.

(6)   المستدرك، ج3، ص151  150.

(7)   فرائد السمطين، ج1، ص192.

(8)   تاريخ اليعقوبي، ج2، ص172.

(9)   تنبيه الخواطر، ج2، ص316.

(10)   م.ن.

(11)  الاحتجاج للطبرسي، ج1، ص151.

(12)   الدرجات الرفيعة، ص310  309.

(13)   الأعلام للزركلي، م3، ص169.

(14)   البحار، ج33، ص347.

(15)   سورة الحجرات، الاية: 13.

(16)   الدرجات الرفيعة، ص306  305.

(17)   غرض الرباط: تعب الرباط وعناؤه.

(18)   أنساب الأشراف، ص488  487.

(19)   ورق النخل، الواحدة (خوصة) كما في المصباح المنير، ص183.

(20)   شرح النهج، ج18، ص35.

(21)   نفس المصدر.

(22)   الخصال، ص336.

(23)   البحار، ج33، ص383، ومعجم رجال الحديث، ج8، ص195.

(24)   سلمان الفارسي، ص139.

(25)   البحار، ج33، ص380.

(26)   هي سورة التوبة ولها عشرة أسماء منها سورة البحوث سميت بذلك لأنها تتضمن ذكر المنافقين والبحث عن سرائرهم.

(27)   معجم رجال الحديث، ج18، ص360 و363.

(28)   رجال بحر العلوم، ج3، ص345.

(29)   الاستيعاب، ج3، ص476.

(30)   برك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال، وقيل: بلد باليمن.

(31)   الكامل، ج2، ص120.

(32)   الاستيعاب، 474  3.

(33)   ساية: اسم وادٍ بالحجاز.

(34)   الترياك: نوع من أنواع المخدرات.

(35)   الكامل، ج2، ص120.

(36)  الإصابة، ج3، ص455  454.

(37)    تتمة رواية الإصابة.

(38)   راجع الوسائل، ج14، ب26، ح1، ص45.

(39)   مكارم الأخلاق، ص27: قال رسول الله الخ..

(40)   الغدير، ج9، ص27.

(41)   الطبقات الكبرى، ج3، ص248.

(42)   اليعقوبي، ج2، ص28.

(43)   الإصابة، ج2، ص648.

(44)   الإصابة، ج4، ص334.

(45)   البحار، ج22، ص326.

(46)   صفين، ص320.

(47)   نقلناها عن كتاب عمار بن ياسر للسبيتي، ص52 إلى 56.

(48)   الغيبة للطوسي، ص217.

(49)   أ علام الورى، ص396.

(50)   البحار، ج53، ص191، والإمام المهدي، ص258  257.

(51)   البحار، ج51، ص349، ومنتخب الأثر، ص395 والغيبة للطوسي، ص219، والإمام المهدي، ص252، وإلزام الناصب، ص125 وص131  130.

(52)   البحار، ج51، ص349، ومنتخب الأثر، ص395، والغيبة للطوسي، ص220، والإمام المهدي، ص252، وإلزام الناصب، ص125 وص131

(53)   البحار، ج51، ص349.

(54)   مروج الذهب، ج4، ص12.

(55)   بحار الأنوار، ج51، ص345.

(56)  الغيبة للطوسي، ص147  146.

(57)  البحار، ج53، ص181.

(58)    الغيبة للنعماني، ص293

(59)    م.ن. ص 289

(60)  م.ن. ص290 - 289.

 

(61)    البحار، ج51، ص356، وج53، ص181  180 وص184 وكشف الغمة، ج3، ص321، وإعلام الورى، ص423، والغيبة للطوسي، ص176، وبشارة الإسلام، ص300، والإمام المهدي، ص253، وإلزام الناصب، ص129، والإمام المهدي، ص253  252.

(62)    حصائل الفكر، ص79.

(63)    م.ن. ص80  79.

(64)    م.ن. ص80.

(65)   البحار، ج51، ص349.

(66)   تنبيه الخواطر، ج1، ص230.

(67)  الغيبة للطوسي، ص356.

(68)   البحار، ج51، ص380  376.

(69)    البحار، ج51، ص356.

(70)   سورة المسد، الاية/1.

(71)   لكنى والألقاب: ج2، ص441.

(72)   إلزام الناصب، ج1، ص427.

(73)   البحار، ج51، ص361.

(74)  النساء  الاية: 58، والتوبة  الاية: 48، والكتاب في البحار، ج53، ص179  178 وص158، ومنتخب الأثر، ص386، والغيبة للطوسي، ص173  172، والكنى والألقاب، ج2، ص101، وإلزام الناصب، ص129، والإمام المهدي، ص252  251، وذكر أنَّ الكتاب كان موجَّهاً لمحمد بن إبراهيم بن مهزيار، وورد بكامله في ص256  255، وفي ينابيع المودة ج3، ص193 شي‏ء من اخره.

(75)  البحار، ج53، ص177، إلزام الناصب، ص136، الاحتجاج للطبرسي، ج2، ص325.

(76)   إلزام الناصب، ج1، ص427.

(77)  محاسبة النفس للكفعمي، ص66.

(78)   سورة الفرقان، الاية/77.

(79)   المذكرات الخاصة، ج1 ص120.

(80)   المذكرات الخاصة، ج1 ص120.

(81)   المذكرات الخاصة، ج5 ص72  71.

(82)    م.ن. ج2 ص56  55.

(83)   م.ن. ج1 ص49  48.

(84)   المذكرات الخاصة، ج1 ص96  95.

(85)   المذكرات الخاصة، ج1 ص122.

(86)   مجلة «الحوزة» العدد، 37 ص64.

(87)   الإمام قدوة، ص17.

(88)   مفاتيح الجنان ص621 ط بيروت.

(89)   عدة الداعي: 163.

(90)   سورة الشعراء، الاية: 215.

(91)     نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح، ص290.

(92)   يادنامه علامه، ص37.

(93) مهرتابان، ص51  50.

(94)  بحار الأنوار، ج6، ص115.

(95)   الكافي، ج2، ص121  بحار الأنوار، ج75، ص124.

(96)   يادنامه أستاذ شهيد مطهري  الكتاب الأول، ص173.

(97)    علل الشرائع، ص365.

(98)   ثواب الأعمال، ص66.

(99)   الشسع: شي‏ء يُمسك النعل بأصابع القدم.

(100)   تنبيه الخواطر، ج2، ص79.

(101)   ميزان الحكمة، ج1، ص759.

(102)   الخصال، ج2، ص128، عيون الأخبار، ج1، ص275.